الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

39/06/17

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- مبحث الظن.

ويرده:-

أولاً:- إنَّ الامكان التشريعي ليس شيئاً مقابلاً للإمكان الوقوعي بل هو هو ، فإنَّ الامكان الوقوعي يقصد منه أنَّ الشيء لا يلزم وقوعه وقوع التعبّد به في موردنا محذور ، ولكن أين موطن المحذور ؟ فمرة موطن المحذور هو عالم التشريع باعتبار أنه يلزم أن يصير الحلال حراماً ، فإذن لزم من وقوع التعبّد محذور لكن موطنه عالم التشريع ، ومرة يكون موطن المحذور العالم الخارجي والتكوين ، ومرة عالم ثالث ، فإذن هذه مصاديق ، فالإمكان التشريعي والامكان التكويني مصاديق للإمكان الوقوعي ، وهذا لا يعني أنَّ الامكان سوف يصير تشريعياً بل يبقى إمكان وقوعي ولكن موطن المحذور هو عالم التشريع لا عالم التكوين.

ثانياً:- إنه قال إنَّ المقصود في المقام الإمكان الشرعي في مقابل التكويني ، ونحن نقول: سلّمنا لك ذلك ولكن نقول إنَّ المحاذير التي ذكرها ابن قبة ليست بأجمعها ناظرة إلى عالم التشريع بل بعضها ناظر إلى عالم التشريع والآخر ناظر إلى عالم الخارج والتكوين ، فلزوم تحليل الحرام أو تحريم الحلال هو محذور في عالم التشريع ، أما محذور اجتماع المصلحة والمفسدة فهذا محذور في عالم التكوين ، لأنَّ المصلحة والمفسدة أمر حقيقي لا مجرد اعتبار حتى يختصّ بعالم التشريع.

إذن اتضح من خلال هذا كلّه أنَّ المقصود من الإمكان أنه ليس بمعنى الاحتمال وإنما ما يقابل الاستحالة ، واتضح أيضاً أنَّ المقصود من الامكان هو الامكان الوقوعي دون الذاتي ، وأما ما ذكره الشيخ النائيني(قده) فيرد عليه ما تقدم.

النقطة الثالثة:- كيف نثبت الامكان - أو البحث عن أصالة الامكان - ؟

ذكر الشيخ الأعظم(قده)[1] في الرسائل:- أنه نسب إلى ابن قبة استحالة التعبد بالظن وأنَّ ذلك ليس بممكن ، يعني يستحيل أن يجعل الشارع خبر الثقة والظواهر والبيّنة وسوق المسلمين واليد وغير ذلك من الظنون حجة.

ثم ذكر أنَّ المشهور أجاب عمّا ذكره ابن قبة:- فقالوا نحن نقطع بالإمكان - يعني إمكان جعل خبر الثقة حجة والبينة حجة وغير ذلك من الأمارات الظنية - .

وأشكل الشيخ الأعظم(قده) على المشهور وقال:- معنى لأن تقطعوا بالإمكان فإنَّ القطع بالإمكان فرع الالتفات الاحاطة بجميع ما يوجب الاستحالة من قضايا القبح والحسن ، فكل ما يُقبِّح جعل الحجية للأمارات - للظنون - نقطع بعدمه وهذا يحتاج إلى من يحيط بجميع الموانع والجهات المقبِّحة الموجبة للاستحالة وهذا صعبٌ في حق الانسان العادي ، فدعوى القطع بالإمكان ليست مناسبة.

بل جرت سيرة العقلاء على أنهم لو تأمّلوا في فضية كقضيتنا - وهي أنّ الظن يمكن جعله حجّة أو لا - وفكّر الإنسان في ذلك ثم فكر فلم يجد ما يوجب الاستحالة فهنا العقلاء يبنون على الامكان لا من باب القطع بالإمكان بل من باب السيرة العقلائية ، ولنعبّر عن ذلك بأصالة الامكان العقلائية.هذا ما ذكره الشيخ الأعظم(قده) وهو شيء له ظرافة.

وناقش الشيخ الآخوند(قده)[2] بثلاث مناقشات:-

الأولى:- هل دل دليل قطعي على الوقوع أو لم يدل على الوقوع ؟ ، مثلاً هل دل الدليل على حجية خبر الثقة أو البينة والتعبد بها ؟ فإن دل الدليل على ذلك فالبحث عن الامكان يكون لغواً ، لأنَّ الوقوع أدل دليل على الامكان ، فبعدما عبّدنا الشارع - بالآية أو بالتواتر أو بغير ذلك - بأنَّ خبر الثقة حجة أو البينة حجة أو سوق المسلمين حجة فحينئذٍ يصير وقوعه أدل دليل على إمكان التعبّد بالظن ، والبحث عن أصالة الامكان والامكان سوف يكون لغواً ، وإذا لم يدل دليل على التعبّد به فالبحث عن الامكان لا فائدة منه ، إذ ما الفائدة من البحث في الامكان بعد فرض عدم الوقوع ، فنحن نبحث عن الامكان لنثبت الوقوع فإذا فرض أنه لم يدل دليل على الوقوع فما الفائدة عن البحث عن الامكان ؟!!

الثانية:- أنت ادّعيت وجود سيرة للعقلاء ، ونحن نقول لم نجد سيرة عقلائية على ذلك ، فأصل هذه السيرة ليس بثابت ، فإن العقلاء لم يثبت أنهم يحكمون بإمكان الشيء عند الشك في إمكانه.

الثالثة:- لو سلّمنا أنَّ العقلاء لهم سيرة من هذا القبيل ولكن نقول إنَّ السيرة لا تكون حجّة إلا إذا فرض وجود إمضاء شرعي لها ، والامضاء ليس بثابت.

أما لماذا يقول صاحب الكفاية إنَّ الامضاء الشرعي ليس بثابت للسيرة ، أوليس سائر السير نقول حيث إنه لا ردع عنها فعدم الردع يدل على الامضاء ، فلنطبّق هذا الكلام هنا ؟

يمكن أن يجيب صاحب الكفاية فيقول:- إنّه في سائر الموارد القضية تهم الشارع وتمسه ، يعني السيرة على حجية خبر الثقة مثلاً أو العمل بقول اللغوي تمس الشارع ، لأنَّ الشارع يخاف أن يطبق العقلاء هذه السيرة يطبقها في مورد الأحكام الشرعية فيخاف الضرر منها فلابد وأن يردع عنها فسكوته يدل على الامضاء ، وهذا بخلاف قضيتنا فإنَّ هذه قضية لا تمسّ الشارع وإنما هي قضية فلسفية منطقية في زاوية خاصة ولا ترتبط بالشارع المقدّس فسكوته حينئذٍ لا يدل على الامضاء.

وردَّ الشيخ العراقي(قده)[3] - وهكذا السيد الخوئي(قده)[4] - بردٍّ واحدٍ على جميع هذه المحاذير الثلاثة:- وهو أنَّ الشيخ الأعظم(قده) وغيره يفترض وجود دليل يدل على حجية مثل خبر الثقة أو البينة أو سوق المسلمين مثل ﴿ إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ﴾ لكن الذي يحول دون الأخذ به هو احتمال استحالة جعل الظن حجّة ، فإذا كان نظرهم إلى هذه الحالة فلا تأتي المحاذير الثلاثة كما هو واضح ، أما أنَّ المحذور الأول لا يأتي فجوابة واضح إذ نحن نفترض أنه يوجد دليل يوحي بالوقوع ويدل عليه ولكن يمنعنا من الجزم بمضمونه والأخذ به احتمال الاستحالة لا أنَّ الوقوع قد حصل جزماً حتى تقول إنَّ البحث عن الامكان وعدمه يكون لغواً ، بل بحثنا في حالة فرض وجود دليل من هذا القبيل يمكن أن يدل على حجية سوق المسلمين أو غير ذلك لكن يوقّفنا من الأخذ به احتمال الاستحالة ، فهنا لا يأتي المحذور الأوّل.

ولا يأتي المحذور الثاني أيضاً ، فإنه إذا افترضنا أنه توجد آية بالفعل توحي بحجية خبر الثقة لكن يوقفهم من الأخذ بها احتمال الاستحالة فليس من البعيد دعوى ثبوت هذه السيرة.وأما المحذور الثالث فجوابه:- إنه كيف هي لا تمسّ الشارع والمفروض أنه يوجد دليل يستفاد منه حجية خبر الثقة أو سوق المسلمين أو غير ذلك ولكن يوقفنا من الأخذ به احتمال استحالة جعل الحجية للظن.فإذن جميع المحاذير مدفوعة.

 


[1] فرائد الأصول، الأنصاري، ج1، ص105- 1-6، ط جديدة.
[2] كفاية الأصول، الآخوند الخراساني، ص276.
[3] نهاية الأفكار، محمد تقي البروجردي، ج3، ص56.
[4] مصباح الأصول، السيد محمد الواعظ الحسيني، ج2، ص104- 105.