الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

39/03/13

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- اثبات الحجية للقطع والاطمئنان- مبحث القطع والأمارات والأصول العملية.

اثبات الحجية للقطع والاطمئنان:-

ذكر الشيخ الخراساني(قده) في كفايته أنَّ القطع لا يمكن اثبات الحجية له بنحو الجعل التأليفي فإنَّ الحجية لازم ذاتي للقطع والجعل التأليفي لا يمكن بين الشيء ولوازمه الذاتية ، نعم الذي يمكن هو الجعل البسيط ، يعني أنَّ الله تعالى يخلق القطع في نفس الشخص أما بعدما حصل القطع يحكم بأنيّ جعلته حجة فهذا جعل تأليفي وهو لا يمكن ، لأنَّ الحجية لازم ذاتي فبمجرّد حصول القطع حصلت الحجية بشكلٍ قهري فلا معنى لجعلها بعد أن حصلت لأنها من اللوازم الذاتية للقطع ، وهذا نظير الأربعة ، فالذي يمكن هو إيجاد الأربعة أما أنه بعد إيجادها نجعل لها الزوجية فهذا لا يمكن فإنَّ الزوجية لازم ذاتي للأربعة ، أي بمجرد حصول الأربعة حصلت الزوجية فلا معنى لجعل الزوجية للأربعة بعد تحقق الأربعة[1] فإن هذا لا يمكن وهو تحصيل حاصل.

ومعنى الجعل التأليفي هو أنه بعد تحقق القطع يقول جعلت الحجّية له فبعد تحقق الموضوع يجعل المحمول ، إنما الممكن هو الجعل البسيط بأنَّ يخلق القطع في النفس ويلزم باللزوم الذاتي كونه حجّة ، ونصّ عبارته:- ( لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلاً ولزوم الحركة على طبقه جزماً وكونه موجباً لتنجّز التكليف الفعلي لما أصاب ..... وتأثيره في ذلك لازم وصريح الوجدان به شاهد وحاكم ...... ولا يخفى أن ذلك لا يكون بجعل جاعل لعدم جعلٍ تأليفي حقيقةً بين الشيء ولوازمه بل عَرضَاً بتبع جعلِه بسيطاً )[2] .

ونحن نوافقه في أصل المدّعى إلا أن طرح لبحث لعلّها قابلة للتأمل والمناقشة.

والأنسب أن يطرح هذا المدّعى بصيغة أخرى وذلك بأن يقال:- إنه لا إشكال في وجوب امتثال الأحكام الشرعية ، والقدر المتيقن من هذا الوجوب هو ما إذا كان الحكم مقطوعاً ، ولعلّ هذا الطرح أولى من طرح صاحب الكفاية ، فأولاً نقول: إنه لا إشكال في وجوب امتثال الأحكام الشرعية وهذا كله مسلّمون به ، ولماذا لا إشكال فيه هذا ؟ إنه على رأي الشيخ الأصفهاني(قده) هو لقبح الظلم ، أما على رأي السيد الشهيد(قده) لأجل حق الطاعة ، وأما على ما أفدناه هو لأجل حكم العقل بأنَّ الله بعدما خلقنا لمصلحة وكلّفنا بالتكاليف لمصلحةٍ وخلق النار لمن عصاه لمصلحة فلعقل يحكم بوجوب الامتثال ، فبعدما ثبت وجوب امتثال الأحكام الشرعية نقول إنَّ القدر المتيقن منها هي المقطوعة ، فإذن ثبت المطلوب بهذا الطريق ، يعني إذا وجب امتثال الأحكام القطعية فهذا معناه حجية القطع.

وفرق هذه الطريقة عن طريقة صاحب الكفاية أنه بهذه الطريقة عقدنا مسألة واحدة لا مسألتين وهي أنه يجب امتثال الأحكام الشرعية - إما لقبح الظلم أو لحق الطاعة أو لحكم العقل - ثم في نفس هذه المسألة الواحدة نقول والقدر المتيقن من الأحكام التي يجب امتثالها هي ما إذا كانت قطعية ، بينما على رأي صاحب الكفاية(قده) سوف يعقد مسألتين مسألة في وجوب امتثال الأحكام الشرعية - وإن هو لم يعقدها ولكن لابد وأن يعقدها - ومسألة ثانية في حجية القطع وهذا تطيل بلا طائل ، إنما هي مسألة واحدة وهي وجوب امتثال الأحكام الشرعية والقدر المتيقن منها القطع فثبت بذلك المطلوب.

ثم نلفت النظر إلى قضية:- وهي أنَّ مسألة وجوب امتثال الأحكام الشرعية القطعية لا يمكن جعلها بالجعل التأليفي بمعنى أنَّ الله تعالى يجعل وجوب الامتثال للأحكام المقطوعة ، كلا فإنَّه لا يمكن جعل وجوب الامتثال للأحكام المقطوعة وإنما هذا ادراكٌ عقلي لما هو ثابت واقعاً من دون جعلٍ شرعي ، والنكتة في ذلك هي أن الله تعالى إذا أراد أن يجعل وجوب الامتثال للأحكام المقطوعة نسأل بأنَّ هذا الوجوب قبل جعله هل كان ثابتاً أو أنه يثبت بعد ذلك ؟ فإن كان ثابتاً قبل جعله فجعله يصير لغواً ومن باب تحصيل الحاصل ، وأما إذا كان وجوب الامتثال يحصل بعد ذلك فنقول إنَّ نفس هذا الوجوب الذي جعله الله تعالى بلسان ( يجب امتثال الأحكام القطعية ) هل يجب امتثاله أو لا يجب امتثاله ؟ فإذا فرض أنَّ وجوب امتثاله كان ثابتاً سابقاً فلا حاجة إلى جعلٍ من البداية ، وإذا لم يكن ثابتاً فيحتاج إلى جعلٍ جديد لهذا الوجوب الجديد ، ثم ننتقل إلى هذا الوجوب الجديد .... وهكذا فيلزم ما لا نهاية.

فإذن جعل وجوب الامتثال للأحكام المقطوعة لا يمكن أن يثبت بالجعل التأليفي بأن يجعل الله عزّ وجلّ وجوب الاطاعة للأحكام المقطوعة وإنما هو ثابت والعقل يدركه لا أنه جعل من الله تعالى بالجعل التأليفي ، وكان من المناسب لصاحب الكفاية(قده) أن يذكر الطريق الذي أشرنا إليه دون ما ذكره وذلك بأن يقول:- إذا أراد أن يجعل حجية القطع فهذه الحجية التي جعلها الشارع هل نقطع بها أو لا ؟ إنه لابد وأن نقطع بها ، فإذا كنّا نقطع بها فهل هي حجّة مسبقاً أو لم تكن حجة مسبقاً ؟ فإن كانت حجة مسبقاً فلا داعي إلى الجعل ، وأما إذا لم تكن حجة مسبقاً فنحتاج إلى جعل حجيةٍ جديدة فيلزم التسلسل ، وهذه طريقة ظريفة.

وأما بالنسبة إلى الاطمئنان:- فهل يمكن جعل الحجية له ؟

هذا لم يتعرّض له الشيخ الخراساني(قده) في الكفاية ، ولكن نقول:- إنَّ نفس ما ذكرناه في القطع يأتي هنا فنقول لا يمكن جعل الحجية للاطمئنان بالجعل التأليفي ، لأنَّ الله تعالى إذا جعل الحجية للاطمئنان نسأل هل هذه الحجية ثابتة للاطمئنان قبلاً أو أنها تثبت بعد ذلك ؟ لابد أن يقول هي تثبت بعد ذلك لأنه لو قال هي تثبت قبلاً فهذا تحصيل حاصل وحينئذٍ لا داعي إلى الجعل ، فإذن لابد وأن تحصل بعد ذلك ، فعادة نحن نحصّل من الأدلة الاطمئنان ، فهذا الاطمئنان حجة سابقاً أو لا ؟ فإذا كان ليس بحجة - وهو المناسب - فيحتاج إلى جعلٍ ثانٍ فيلزم التسلسل ، فنفس فكرة التسلسل التي ذكرناها في جعل الحجية للقطع تأتي بنفسها في الاطمئنان بنفس البيان الذي ذكرناه.


[1] وقد قيل في زمانٍ سالف ( ما جعل الله المشمشية للمشمش وإنما خلق الله المشمش )، وكذلك ما جعل الحجرية للحجر والانسانية للإنسان ..... وهكذا.
[2] كفاية الأصول، الآخوند الخراساني، ص258، ط مؤسسة آل البيت.