الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

38/12/03

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- مقدمات الحكمة - الاطلاق ومقدمات الحكمة.

ثم إنَّه قد وقع الكلام في مقدّمات الحكمة وأنها ثلاث مقدمات أو أكثر أو أقل ، وفي هذا المجال ذكر الشيخ الخراساني في الكفاية[1] أنها ثلاث:-

الأولى:- أن يكون المتكلم في مقام البيان.

الثانية:- انتفاء ما يوجب التعيين من قرينة خاصة أو انصراف.

الثالثة:- وهذه المقدّمة هو قد أضافها وهي من مختصّاته ، وهي انتفاء القدر المتيقّن في مقام التخاطب.

أقول:- لعلّ جعل المقدّمات اثنين لا ثلاث أحسن من الجنبة الفنّية فنقول إنَّ المقدّمة الأولى هي أن يكون المتكلّم في مقام البيان ، والمقدمة الثانية هي انتفاء ما يوجب التعيين ، ثم يقول والموجب للتعيين ربما يكون هو القرينة الخاصة كما إذا قال ( اعتق رقبة مؤمنة ) فهنا لا ينعقد اطلاق لوجود القرينة الخاصة ، أو الانصراف فإنَّ الانصراف من موجبات التعيين ، وثالثاً القدر المتيقّن في مقام التخاطب فإنَّ هذا بنظرة مما يوجب التعيين ، فإذن لا داعي إلى جعل المقدّمات ثلاث بل يلزم جعلها اثنين.

ولا إشكال في مستند المقدّمة الأولى التي تقول أن يكون المتكلم في مقام البيان فإن مستندها واضح ، فإنه إذا لم يكن في مقام البيان يعني هو في مقام الاجمال أو الاهمال وهنا كيف تتمسّك بالإطلاق ؟!! فإنَّ هذا شيء مسلّم وهذه قضايا قياساتها معها ، ولو سأل شخص عن المستند فهذا يدل على أنه غير ملتفت.

نعم السؤال الوجيه والذي يمكن طرحه هو أنه كيف نثبت أنَّ المتكلّم في مقام البيان حتى نتمسّك بإطلاق كلامه ؟

أجاب صاحب الكفاية(قده) عن ذلك[2] :- بأنَّّ هناك أصل عقلائي ، فإنَّ العقلاء عندهم تباني على أنَّ الأصل في كل متكلّم أن يكون في مقام البيان ، والذي يحتاج إلى قرينة هو عدم كونه في مقام البيان.

والشيخ النائيني(قده) لم يوافق أستاذه فقط بل صعّد اللهجة وقال[3] :- إنَّ الفقه من بداية الطهارة إلى نهاية الحدود والديات يبتني على هذا الأصل العقلائي ، لأنه لولاه لا يمكن اثبات الاطلاق ، وإذا لم يمكن اثبات الاطلاق فإنَّ الكثير من الأحكام سوف تعطّل ، فإنه من الاطلاقين الموجودين في ﴿ أحلّ الله البيع وحرّم الربا ﴾ نستفيد أحكاماً كثيرة ، فنحرّم الربا مطلقاً فنقول هذا الربا حرام وذاك الربا حرام وكل ربا فكل هذا نستفيده من الاطلاقات ، فإذا عطلنا الاطلاقات فسوف يصير الاستنباط إلى النصف وسوف تتعطل الكثير من الأحكام وسوف ينسد باب الاستنباط ، فإذن المستند هو هذا الأصل العقلائي.

هذا ما ذكره العمان وغيرهما ولعلّ الرأي المعروف هو هذا.

ولكن يمكن أن يقال:- من أين هذا الأصل فإنَّ هذا ليس واضحاً لنا ؟!! فهذه دعوى لكنها ليست واضحة فليس من الواضح وجود هكذا أصل عقلائي ، وهذه قضية مهمة دعها في بالك فإنه حينما تمرّ بروايات ونصوص وتريد أن تتمسك بالإطلاق ووقع كلام في أنه هل يوجد اطلاق أو لا لأنَّ المتكلم هل هو في مقام البيان أو لا فهنا عليك لاحظ نفسك فهل تستطيع أن تثبت أنَّ المتكلّم في مقام البيان ؟ فلو قال لك شخص: يمكن أن تثبته بالأصل العقلائي فأنت التفت إلى ذلك وأنه هل يوجد هكذا أصل عقلائي أو لا ، وأنا ليس من الواضح عندي ذلك ، بل أراها مجرّد دعوى جميلة فقط.

ولعلّه من هنا ادّعى السيد الشهيد(قده)[4] :- أنه يمكن أن نثبت ذلك من خلال ظهور حال المتكلّم في أنه يبيّن كامل مرامه بهذا الكلام الذي يتكلمّ به ، فإنه يوجد ظهور ولكنه ظهور حالي ، فإنَّ حال المتكلّم حينما يتكلّم فظاهر حاله أن يبيّن كل ما في قلبه في كلامه ، وبذلك يثبت أنه دائماً في مقام البيان إلا إذا قامت قرينة على الخلاف.

فالمستند عند السيد الشهيد(قده) هو هذا الظهور الحالي وليس هو الأصل العقلائي.

وهو شيء ظريف ولكن الجزم به أمر مشكل أيضاً ، فأنا من المتردّدين في ثبوت مثل هذا الظهور ، بل أقول أكثر: وهو أنَّ هذا الظهور فرع أن يكون المتكلّم في مقام البيان ، فإنه إذا كان في مقام البيان فظاهر حاله أنه يبيّن تمام مرامه بكلامه هذا والمفروض أننا نبحث كيف نثبت أنه في مقام البيان.

والأجدر أن يقال:- إنه لا يوجد أصل عقلائي فإنَّ هذا الشيء ليس بثابت ، ولا هذا الظهور الحالي ، وإنما نلاحظ كل موردٍ مورد ، فقد تساعد القرائن من هنا وهناك على أنَّ المتكلّم في مقام البيان ، وربما تساعد على العكس ، وربما لا تكون في هذا الجانب ولا في ذاك الجانب فلا يعود - وهنا تظهر الثمرة - حينئذٍ مثبتٌ لكونه في مقام البيان ، وبالتالي لا يعود هناك مثبت للإطلاق.

فإذن نلاحظ كل موردً مورد فإذا ساعدت القرينة على أنه في مقام البيان فنأخذ بذلك ، من قبيل قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ﴾[5] إنها واضحة في أنَّ الله عزّ وجلّ في صدد بيان تفاصيل الوضوء ، فهو يشرح طريقة الوضوء ، فالقرينة موجودة مع الكلام ، فلا نحتاج إلى أصل عقلائي ولا ظهور فإنَّ المولى هنا يفصّل طريقة الوضوء ، فهنا لأجل القرينة نسلّم أنَّ المتكلّم في مقام البيان فينعقد اطلاق ، ولا بأس بذلك في مثل هكذا مورد.

وقد يفترض أنَّ القرينة على العكس ، مثل ﴿ أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ وفي مثل هذا قامت القرينة على أنه ليس في مقام لبيان وإنما هو في مقام الحثّ على أصل الصلاة وعلى أصل الزكاة أما ما هي تفاصيل الصلاة ومتى تجب وما هي شروطها فهو ليس في مقام البيان من هذه الناحية ، بل نفس الكلام يتحدّث ويقول أنا لست في مقام البيان من هذه الناحية بل أنا ريد أن أبيّن الحثّ لا أكثر.

وربما تفترض حالة ثالثة وهي أنه لا توجد قرينة على هذا ولا على ذاك ، ففي مثل هذا نتوقّف ، نعم قد يكون افتراض أنَّ المولى حينما يتكلّم بما هو مشرّع هو بنفسه قد يكون قرينة على كونه في مقام البيان ، ولكن إذا فرضا أنه في موردٍ أنَّ هذا أيضاً لم يكن فنتوقّف حينئذٍ فنقول إنَّ الاطلاق يشكل التمسّك به.

وعلى هذا الأساس يمكن لقائل أن يقول:- إنَّ مثل قوله تعالى ﴿ أحلّ الله البيع وحرّم الربا ﴾ الذي يتمسّك به الفقهاء كثيراً يمكن أن يقال إنّه ليس في مقام البيان ، لأننا نلحظ القرينة ، وهنا توجد مقابلة ، فإنَّ الآية الكريمة في صدد أنها تريد أن تبيّن أنَّ هذا حلال وذاك حرام أما أنه ناظرة إلى جميع أفراد البيع وأنه في مقام البيان من هذه الناحية فلا ، بل هو فقط في مقام بيان هذا المقدار وهو أنَّ هذا العنوان من المحلّلات أما أنه محلّل بكامل دائرته أو ببعضها فليس في مقام البيان من هذه الناحية بقرينة المقابلة - ﴿ وحرّم الربا ﴾ - ، فالآية الكريمة تريد أن تقول هذا العنوان حرام وذاك العنوان حلال أما أنه بعرضه العريض هذا حلال وذاك حرام فيمكن أن يقال إنَّ هذا فيه مجال أن يستشكل في ثبوت الاطلاق في ﴿ أحلّ الله البيع ﴾ ، والحال أنَّ مكاسب الشيخ الأنصاري من أوله إلى آخره مبنيّ على ﴿ أحلّ الله البيع ﴾ ، فالمقصود أنَّ هذا ليس من الواضح إلا أن تدّعي وتقول هناك أصل عقلائي يقول إنَّ الأصل في المتكلّم أنه في مقام البيان ، فأقول لك:- إنَّ هذا ليس مقبولاً ، أو ما يقوله السيد الشهيد لا تستطيع أن تطبقه ، فإذن لابد أن تلاحظ في كلّ موردٍ حتى ترى هل القرينة تساعد على الاطلاق أو لا تساعد عليه ، فمسألة الأصل عقلائي أو ظهور الأمر في ذلك مشكل بل لابد من ملاحظة كلّ مورد بخصوصه.


[1] كفاية الأصول، الآخوند الخراساني، ص247، ط مؤسسة آل البيت.
[2] كفاية الأصول، الآخوند الخراساني، ص248، ط مؤسسة آل البيت.
[3] فوائد الأصول، النائيني، ج3، ص574.
[4] بحوث في علم الأصول، الهاشمي الشاهرودي، ج3، ص417.
[5] المائدة/السورة5، الآية6.