الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

38/11/27

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- الاطلاق ومقدمات الحكمة.

وأما ما افاده في الوجه الثالث فيرده:- إنَّ المرجّح مفقود كما ذكر فإذا لم نفترض أن الاطلاق لازم ذاتي للمعاني الموضوع لها ألفاظ أسماء الأجناس فاستفادة الاطلاق ليس أولى من استفادة التقييد ، ولكن نحن نحكم بالإطلاق من ناحية شيء آخر وليس من ذات اللفظ فمن حيث ذات للفظ لا مرجح كما قال للإطلاق في مقابل التقييد ، ولكن يوجد مرجّح خارجي وهو أنَّ العرف يرى أنَّ بيان الاطلاق لا يحتاج إلى شيء أكثر من الدال على اسم الجنس ، هذا بخلاف التقييد فإنه يحتاج إلى بيان زائد يدل على القيد هذه نظرة ورؤية عرفية ولو كنّا نتساير مع الدقة دون النظرة العرفية فالمناسب عد المرجح يعني ما ذكرها مناسب إذ المفروض أنَّ اسم الجنس موضوع لذات الطبيعة الصادقة في جميع الأفراد والصادقة على بعض الأفراد ومادام موضوعاً لات الطبيعة فإثبات أنَّ المراد هو الأوّل دون الثاني يحتاج إلى دال ، كما أن اثبات الثاني في مقابل الأوّل يحتاج إلى دال أيضاً ، فكلاهما يحتاج إلى دال ، إذ المفروض أن لفظ كتاب مثلاً موضوع لذات الكتاب الصادق في ضمن الطبيعي الكلّي المطلق والصادق في ضمن المقيد فإرادة أيّ واحد منها يحتاج إلى بيان ، وهذا بمقتضى الدّقة وإذا كان لك كلام وخصومة فوجهها إلى العرف ، بيد أنَّ العرف يرى أنه يكفي في راد الاطلاق ذكر ما يدل على الطبيعة الجامعة بين المقيد والمطلق وأن الذي يحتا ج إلى دال هو التقييد فهذه رؤية عرفية وليست رؤية دقية فالعرف تبانوا على هذا الشيء أما لماذا تبانوا فهذه قضية ثنية ولكن بالتالي هذا التباني موجود ومادام موجوداً فعلى هذا الأساس نقول للحاج رزا علي أن المرجّح لدعوى أنَّ مراد المتكلّم عند استعمال اسم الجنس هو الاطلاق دون التقييد هو مقدّمات الحكمة التي هي عرفية وإن كان مقتضى النظرة الدّقية أنه لا ترجيح للإطلاق على التقييد كما لا ترجيح للتقييد على الاطلاق بل كلاهما يحتاج إلى دال إلا أن النظرة العرفية التي نسمّيها بمقدّمات الحكمة تقتضي أنه يكفي لإرادة الاطلاق عدم بيان ما يدل على التقييد ، فالذي فيه مؤونة زائدة في النظرة العرفية لا الدّقية هو ارادة التقييد فهو الذي يحتاج إلى بيانٍ زائد دون الاطلاق ، فإذن ما ذكره ليس بتام لما ذكرنا.

وبهذا انتهينا عن الكلام مع الحاج ميرزا علي الايرواني.

بيان لمنتقى الأصول:- ذكر السيد الروحاني(قده) في منقى الأصول[1] بياناً يقرب من بيان الحاج يرزا علي الايرواني(قده) من زاوية ، فهو أيضاً يدّعي في هذا البيان أنا لا نحتاج إلى مقدمات الحكمة في اثبات الاطلاق ، وهذه قضية مشتركة بين السيد الروحاني وبين الحاج ميرزا علي ، فالحاج ميرزا علي كان يقول لا نحتاج إلى مقدّمات الحكمة والسيد الروحاني أيضاً يقول كذلك ولكن الحاج الميرزا علي كان يقول إننا لا نحتاج إلى مقدّمات الحكمة لأنَّ الاطلاق لازم ذاتي لمعاني اسماء الأجناس فإنَّ أسماء الأجناس وضعت للماهية التي لازمها الذاتي السريان في جميع الأفراد فلا نحتاج حينئذٍ إلى مقدّمات الحكمة ولكن هذا الاطلاق هو لازم ذاتي لا أنه مأخوذ شرط اضافي - لا أنه موضوعة للمعاني بشرط الاطلاق - كما نسب إلى الأعلام قبل لسلطان العلماء بل هي وضعت لأسماء الاجناس- للماهيات - التي لازمها الذاتي ذلك فلا نحتاج إلى مقدّمات الحكمة ، بيد أنَّ السيد الروحاني يقول:- نحن لا نحتاج إلى مقدّمات الحكمة أيضاً غايته لقضيةٍ ثانية وهي أن أسماء الأجناس سلّمتم أنها موضوعة للطبيعة ، فإذا كانت موضوعة للطبيعة ثم وجّهت حكماً لاسم الجنس وقلت ( جئني بكتاب ) فموضوع الحكم هو الطبيعة وظاهر تعلّق الحكم بعنوانٍ مثل عنوان كتاب أو ماء أو سكّر أو غير ذلك هو أنَّ هذا العنوان هو تمام الموضوع ، كما إذا قلت ( أكرم زيداً ) فالحكم بوجوب الاكرام انصبّ على زيد وظاهر الحكم المتعلق بزيد أن زيداً هو تمام الموضوع ، وهنا أيضاً نقول في اسماء الأجناس إذا انصبّ الحكم على عنوانٍ مثل ( اعتق رقبة ) أنَّ ظاهر الجملة هو أنَّ الرقبة هي تمام الموضوع ومادامت هي تمام الموضوع وليس الرقبة بقيد الايمان فقد ثبت الاطلاق بلا حاجة إلى مقدّمات الحكمة.

وفيه:- إنَّ ما أفاده وجيه إذا كان اسم الجنس موضوعاً للطبيعة الثابتة بلحاظ جميع الأفراد ، أما إذا كان اسم الجنس موضوعاً للطبيعة الثابتة في جميع الأفراد أو في المقيّد بالبعض فلا يتم ما أفاده ، لأنه إذا تمسكنا بالظهور فتمام الموضوع سوف يصير هو ذات الطبيعة الموجودة ضمن المطلق والموجودة في ضمن المقيد فلا يمكن اثبات أنَّ المطلق يكفي لأنَّ اسم الجنس موضوع لذات الطبيعة ، نعم إذا قلنا إن اسم الجنس موضوع للطبيعة الثابتة بلحاظ المطلق وأفراد المطلق من دون ملاحظة المقيد ، فما أفاده يكون تاماً ولكن هذا الاحتمال الثاني باطل إذ المدّعى أنَّ أسماء الأجناس موضوعة لذات الطبيعة الصادقة ضمن المطلق وضمن المقيّد ، فتمام الموضوع بمقتضى الظهور الذي ذكره هو ذات هذه الطبيعة الصادقة ضمن المطلق وضمن المقيّد ، ومعه لا مثبت لكون تمام الموضوع هو المطلق إلا بمقدّمات الحكمة ومن دون ضمّها لا يمكن اثبات كفاية المطلق.

إشكال وجواب:-

أما الاشكال فحاصله:- إنَّ الوضع لا يمكن أن يضع ألفاظ أسماء الأجناس لذات الطبيعة الثابتة ضمن المطلق وضمن المقيد لأنه حين الوضع فهو حينما يضع لفظ رقبة مثلاً فهو إما أن يلحظ قيد الايمان أو أنه لا يلحظه ، فهو إما أن يضع لفظ الرقبة للرقبة مع قيد الايمان فيلاحظ قيد الايمان أو أنه لا يلحظه ، فإن لاحظ قيد الايمان صار الوضع للمقيد وإن لم يلحظه صار الوضع للمطلق فصار الاطلاق مدلولاً وضعياً فلا حاجة إلى مقدّمات الحكمة ، يعني سوف ينتج الرأي القديم قبل سلطان العلماء.


[1] منتقى الأصول، السيد عبد الصاحب الحكيم، ج3، ص433.