الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

38/08/12

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- استصحاب العدم الأزلي.

جواب السؤال الأوّل:- إنه قد يجاب بأنَّ العدم النعتي ليس بمعقول في حدّ نفيه فإنَّ العدم لا يمكن أن يكون نعتياً ووصفاً للموضوع وذلك لبيانين:-

البيان الأوّل:- ماذا يقصد من كون العدم نعتياً ؟ يقصد منه أخذ العدم محصَّصاً ومخصِّصاً ومتقيِّداً بموضوعه ومحلّه ، فحينما نقول ( المرأة المتصفة بغير القرشية ) ماذا يراد من المتّصفة بغير القرشيّة ؟ يعني عدم القرشيّة لوحظ متقيِّداً بمحلّه وهو المرأة ومختصَّاً بالمرأة ومحصِّصاً بهذه الحصّة وهي الحصة التي تكون مع المرأة لا كل عدم قرشية بل عدم القرشيّة المتحصِّص مع المرأة هذا هو معنى العدم النعتي ، كما هو الحال في الوجود النعتي فإنه حينما نأخذ الوجود نعتياً فنقول امرأة قرشيّة فما معنى قرشيّة ؟ يعني أخذت القرشيّة مختصّة بالمرأة ومتقيّدة بالمرأة ، فإذا اتضح أنَّ العدم النعتي هذا معناه أي تقيّد عدم القرشيّة بالمحل وتخصّص عدم القرشيّة بالمحل أي بالمرأة فإذا كان هذا هو المقصود فحينئذٍ نقول إنَّ الذي يقبل التحصّص والتقيّد هو الشيء الموجود دون المعدوم فإنَّ المعدوم لا شيء فكيف يقبل التحصّص والتقيّد ؟!! ونقصد من الموجود هنا هو وصف القرشيّة فإنه وجودي وعدم القرشيّة هو العدم ، فالذي يقبل التحصّص والتقيّد هو القرشيّة لأنه وصفٌ وجودي أما عدم القرشيّة فلا يقبل أن يتحصّص ويتقيّد ويتخصّص بالشيء فإنه لا شيء واللا شيء لا يقبل التحصّص والتقيّد والتخصّص ، بل كل هذه أوصافٌ للموجود لا للعدم فإنَّ العدم لا شيء ، ومقصودنا من الموجود هو القرشيّة ، فالقرشيّة تقبل ذلك أما عدم القرشيّة فهو لا شيء فيكف يقبل أن يتخصّص بالمحل - يعني بالمرأة - كلا بل هو لا شيء إنما التقيد والتحصّص ممكن للوصف الوجودي لا العدمي.

وإن شئت قلت:- إنَّ العدم ليس له محل حتى يتقيّد وتيخصّص بمحلّه وإنما الأمر الوجودي له محلّ فيقبل التخصّص بمحلّه أما العدم فهو لا شيء وليس له محلّ حتى يتقيّد ويتحصّص بمحلّه.

وفيه:- إنا نسلّم كل ما ذكر في هذا البيان وهو حقٌّ ، فالعدم حيث إنه لا شيء لا يقبل التقيّد والتحصّص والتخصّص فإنَّ كل هذه الأمور من شؤون الأمر الوجودي ، ولكن لا معنى لتحميل هذه النظرة الدّقّية على المولى العرفي ، فإنَّ الأنسان العرفي يرى أن ذلك شيئاً ممكناً بعرفيّته ، ولذلك نحن قبل أن نذكر هذا البيان كلّنا كان يقبل فكرة العدم النعتي ، فنحن كنّا نلاحظ عدم القرشيّة بما هو وصفٌ قائمٌ بالمرأة وهذه الملاحظة ممكنة ولا شيء فيها حسب رؤيتنا ، بل الشيخ النائيني(قده) قبلها أيضاً بنظرته العرفيّة ، فإذن لا معنى لتحميل القضايا الدّقّية على المولى العرفي ، والأحكام الشرعية حينما تصدر من المولى فهي تصدر منه بما هو مولىً عرفي ، فنحن نتعامل هكذا ولا نتعامل بما هو مولىً فلسفي ودقّي ، كلا فإنَّ الأمر ليس كذلك.

فإذن العدم النعتي وإن كان بالنظرة الدّقّية هو شيء غير ممكن لما ذكرناه ولكن هذا لا يستلزم استحالة أخذه موضوعاً للحكم في حقّ المولى العرفي فإنه شيء لا بأس به.

البيان الثاني:- إنَّ العدم النعتي في واقعه يرجع إلى أخذ العدم منتسباً إلى محلّه فمرأة متصفة بعدم القرشيّة فأخذ الانتساب بين عدم القرشيّة وبين المرأة وحينئذٍ نقول الانتساب فرع تحقق المنتسِب ، وهنا لا يوجد منتسبان وطرفان بل الموجود هو طرف واحد وهو المرأة وأما عدم القرشيّة فهو عدمٌ ، والنسبة إنما تقوم بين شيئين وهنا لا يوجد شيئان فكيف تقوم النسبة ؟!! ، فلابد أن يكون كلا الطرفين له تحقّق والعدم لا تحقق له لأنه لا شيء فلا يوجد منتسبان وطرفان حتى تتحقق النسبة ، فإذن العدم النعتي غير ممكن من باب أن روحه ترجع إلى كونه منتسباً إلى محلّه والنسبة تقوم بين منتسبين وهنا لا يوجد منتسبان إذ أحد الطرفين وهو عدم القرشية هو لا شيء والنسبة إنما تقوم بين الشيئين لا بين الشيء واللا شيء فإنَّ هذا غير ممكن.

اللهم إلا أن تقول:- صحيح أنَّ هذا ليس بشيء بحسب النظرة الواقعية ولكن الله عزّ وجلّ أعطى للذهن قابلية لأن يخترع نسبةً بين طرفين أحدهما شيء والآخر لا شيء فيمكن للذهن أن يخترع نسبة من هذا القبيل ولكن هذه نسبة ليست نسبة حقيقية وإنما هي اختراعية - إنّ صح التعبير - ، بيد أنَّ هذه لا تنفع فإنَّ مركز الآثار الشرعية هو النسبة الحقيقية لا النسبة الاختراعية فلذلك العدم النعتي لا يكون شيئاً ممكناً.

وفيه:- من أين لك أنَّ مركز الآثار هو النسبة الحقيقة دون النسبة الاختراعية ؟!! فلنقل إن موضوع الآثار الشرعية هو الأعم من الاثنين فكما يمكن أن يكون هو النسبة الحقيقية يكون هو النسبة الاختراعية ولا يوجد مانع في أن نصبّ الأثر على المرأة المتصفة بغير القرشيّة وأنت تقول النسبة لا يمكن أن تتحقق بين المرأة وغير القرشيّة فكيف تصبّ الحكم ؟ أقول إنَّ الله تعالى أعطى للذهن البشري القدرة فيخترع النسبة وأنا أصبّ الحكم على النسبة الاختراعية ولا مانع منذ لك.

على أنه يمكن أن يضاف ويقال:- إنَّ ما أفيد أوّلاً من أنَّ النسبة لا تقوم إلا بين طرفين موجودين ولا تقوم بين طرف موجود وآخر لا وجود له نقول هذا وجيه بالنظرة الدقية الفلسفية وأما بالنظرة العرفية فلعله شيء ممكن لدى العرف ولا معنى لأن نتعامل مع المولى معاملة الفيلسوف الدقي بل معاملة الانسان العرفي والانسان العرفي يرى إمكانية النسبة بين الشيئين وإن كان أحدهما عدماً لكن ليس عدماً محضاً بل عدماً مضافاً كعدم القرشيّة فإنه يرى أنَّ النسبة شيء ممكن عرفاً ، نعم النسبة بين المرأة وبين العدم بما هو عدم يراه شيئاً ليس معقولاً أما النسبة بين المرأة وبين عدم القرشية فهو كإنسان عرفي يرى أنَّ النسبة يمكن تحققها وإن كان دقّةً لا توجد نسبة.

إذن العدم النعتي وإن كان شيئاً غير ممكن بمقتضى الدقة إلا أنه لا يؤثر على جريان الاستصحاب شيئاً حيث إنه بالنظرة العرفية شيء ممكن ولا معنى للتعامل مع المولى معاملة الفيلسوف الدقّي.