الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

38/05/28

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: التنبيه الثاني - تنبيهات – مفهوم الشرط - المفاهيم.

ذكر الشيخ النائيني(قده)[1] ما حاصله:- إنَّ الاحتمالين متساويان - يعني الثاني والثالث- ولا رجحان لأحدهما على الآخر ، وإذا لم يكن هناك ترجيح لأحدهما على الآخر فبالتالي ماذا نصنع ، فنحن إذا خرجنا في سفرٍ فمن أين نقصّر ؟ فإنك قلت إنَّ الاحتمالين متساويان ومن الواضح أنَّ النتيجة سوف تصير على الاحتمال الثاني أنه يكفي واحد منهما إما خفاء الأذان أو خفاء الجدران لأننا قيدنا إطلاق المفهوم ، وأما على الاحتمال الثالث فسوف تصير النتيجة هي أنه لابد من خفاء الاثنين معاً حتى نقصّر ، فماذا نصنع ؟ قال:- إنَّ تحقق أحدهما لا يكفي لأنَّ أحدهما لا نجزم بوجوب التقصير عند تحققه فلابد وأن يخفى الاثنان معاً فإذا خفياً معاً فهنا نجزم بوجوب التقصير أما إذا خفي أحدهما فلا يكفي.

إذن الشيخ النائيني(قده) ذكر مطلبين:-

المطلب الأوّل:- إن الاحتمالين يعني الثاني والثالث هما متساويان.

المطلب الثاني:- إنه بعد تساوي الاحتمالين ماذا نصنع والمفروض أنَّ الاحتمال الثاني يكتفي بخفاء واحد ، بينما الاحتمال الثالث يعتبر اجتماع كلا الخفاءين ، فماذا نصنع عملاً ؟ قال:- إذا خفي كلاهما فحينئذٍ نقصّر أما إذا خفي واحد فلا نجزم بوجوب التقصير فلا نقصّر بل قصّر إذا خفي كلاهما.

وأنا أقول من باب مساعدته:- إنّه قال إذا خفي أحدهما لا يكفي لوجوب التقصير فلا تقصّر ، ونحن نسأله ونقول:- لماذا لا نقصّر فإنَّ هذه دعوى وما هو دليلها ؟ فهو قال:- لا نعلم بوجوب التقصير إذا خفي واحد بينما إذا خفي الاثنان معاً فسوف نجزم بوجوب التقصير ، فهل هذا الذي ذكره وحده يكفي وهل هو صياغة فنّية أو أنه يحتاج إلى ضمّ شيئاً آخر ؟ إنه يحتاج إلى ضمّ شيء آخر له وإلا فما ذكره لا ينفع لأجل أنه إذا خفي أحدهما فلعلّ خفاء الواحد يكفي واقعاً ، فإنا حينئذٍ كيف أبقى على التمام ولا أقصّر فإنك لا تستطيع أن تقول إنَّ هذا هو مقتضى الاحتياط فإنَّ هذا ليس احتياطاً ، بل لعلّ الواجب هو القصر ، فنحتاج إلى صياغة فنّية ، فلابد وأن نضم الاستصحاب ، وهذا لعلّه لم يذكره الشيخ النائيني(قده) لوضوح المطلب لأنَّ المسافر حينما خرج من بيته كان يجب عليه التمام وعندما سار قليلاً فحكمه التمام أيضاً وهكذا كلما سار إلى أن يجزم بوجوب القصر ، ومتى يجزم بوجوب القصر ؟ إنه يجزم بذلك إذا خفي كلاهما.

فإذن هو لابد أن يضمّ الاستصحاب ومن دون ضمّه فسوف لا يكون كلامه فنّياً ، لأنَّ الاكتفاء بواحد مخالف للاحتياط فلابد وأن نفترض صياغة فنّية هي الاستصحاب ، وأما إذا لا يوجد استصحاب فالاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني فالمناسب حينئذٍ أن تجمع بين القصر والتمام عند خفاء أحدهما لا أنك تكتفي بالتمام كما قال الشيخ النائيني(قده) ، فإذن لابد وأن يكون الاستصحاب موجوداً عندي.

ويقع الكلام مرّة بالنسبة إلى المطلب الأوّل ، وأخرى بالنسبة إلى المطلب الثاني:-

ونقدّم التعليق على المطلب الثاني لقصره فنقول:- إنه ذكر عند الشك - أي عند خفاء واحد - نحكم بوجوب التمام ، ونحن ساعدناه وقلنا إنَّ ذلك لأجل الاستصحاب ، وهنا يرد إشكال عليه وهو أنَّ الأصول العملية إنما يؤخذ بها إذا لم يكن هناك دليل اجتهادي يدل على وجوب القصر عند خفاء واحد أما إذا كان يوجد دليل اجتهادي فلا تصل النوبة إلى الدليل الفقاهتي ، والدليل الاجتهادي هو ما دلّ على أنَّ كلّ المسافر يقصّر وهذا اطلاق أو عموم فنتمسّك به حينئذٍ في مورد الشك فنقول هذا يصدق عليه أنه مسافر ، فإذا صدق عليه أنه مسافر يجب عليه القصر للروايات الدالة على أنَّ كل مسافر عليه القصر ، وبذلك نصل إلى نتيجة معاكسة لما انتهى إليه لأنه كان يقول يجب عليه التمام إلا إذا حصل الخفاءان ، بينما على ما ذكرناه سوف تصير النتيجة هي القصر تمسكاً بالدليل الاجتهادي ، والدليل الاجتهادي مثل صحيحة سيف التمّار عن أبي عبد الله عليه السلام:- ( ..... إنما فرض الله على المسافر ركعتين لا قبلهما ولا بعدهما شيء )[2] ، والاطلاق فيها ثابت ، ومن قبيل صحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال:- ( الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء إلا المغرب ثلاث )[3] .

إذن دلالة الصحيحتين واضحة على أنه يوجد فيهما اطلاق أو عموم على أنَّ المسافر حكمه القصر ، فإذا كان كذلك فنقول للشيخ النائيني(قده) إنه لا معنى لأن تتمسّك وتقول إذا خفي أحدهما يجب أن يبقى على التمام للاستصحاب فإنه لا تصل النوبة إلى الاستصحاب بعد وجود إطلاق الروايتين ، فإنَّ اطلاقهما يعم هذا المورد فإنَّ هذا مسافر ، فبالإطلاق حينئذٍ يحكم عليه بوجوب القصر.

ولا تدافع عن الشيخ النائيني(قده) وتقول:- إنه لم يقل للاستصحاب حتى تقول له إنَّ النوبة لا تصل إلى الأصل العملي بعد وجود الدليل المحرز.

فأقول:- إنه لابد وأن يقول بالاستصحاب وإلا يبقى كلامه ناقصاً فلا معنى لأن يقول إذا خفي أحدهما يجب التمام فإنَّ هذا بلا مدرك ، ونحن ساعدناه وقلنا للاستصحاب ، فإذا قلت يجب التمام للاستصحاب فنقول لك إنَّ الاستصحاب دليل فقاهتي ولا تصل النوبة إليه بعد وجود الدليل الاجتهادي.

إلا اللهم أن يقصد الشيخ النائيني(قده) معنىً أعمق وذلك بأن يقول:- إنَّ هذه الروايات التي قرأناها والتي تقول ( يجب على المسافر ركعتان ) الموضوع فيها ما هو ؟ هو ( مسافر ) ومتى يصدق على الانسان عرفاً أنه مسافر ؟ فهل يطلق عليه مسافر وهو لازال في بلده ؟ إنه لا يطلق عليه أنه مسافر ، أما إذا خرج من بلده ووصل إلى أحد أحيائه هل يقال له أنه مسافر ؟ كلا بل لازال في البلد ، ولكن يصدق عليه أنه خرج من البلد ويصدق عليه أنه مسافر إذا لم يرَ البلد أو لم يسمع أذانه ، فإذا تحقق خفاء الجدران وخفاء الأذان فحينئذٍ يصدق عليه أنه مسافر ، ونحن نشك إذا حصل أحد الخفاءين دون الثاني نشك في صدق كونه مسافراً فلا يمكن التمسّك بالاطلاق لأنه تمسّك بالاطلاق أو العام في الشبهة المفهومية ، لأنَّ المسافر لا ندري أنه يصدق بكلا الخفاءين أو بأحدهما ، فالشيخ النائيني(قده) لم تمسّك بهذه الروايات لأن المورد من الشك في الشبهة المفهومية وفي مثله لا يجوز التمسّك بالعام أو بالاطلاق ، ولذلك قال يبقى على التمام تمسّكاً بالاستصحاب وبذلك يكون كلامه وجيهاً ، لأنَّ الاستصحاب سوف يجري والاطلاق أو العموم لا يمكن التمسّك به في هذا المورد فيبقى الاستصحاب بلا مانع ، فإذا كان الشيخ النائيني(قده) يقصد هذه الأمور فهو وجيه ولكن بشرط أن نقول إنَّ المسافر لا يصدق عرفاً حتى لو خرجنا من المدينة إلا إذا فرض أني لا أرى البيوت ولا أسمع الأذان ، وهل هذا ثابت عرفاً ؟ إنه قد يقول قائل إنه ليس هكذا بل إذا خرجت من المدينة وسرت قليلاً فأنا مسافر ولو كنت أراها.

إذن ما ذكرناه مبتنٍ على أنَّ نقول إنَّ عنوان السفر عرفاً لا يصدق بمجرد الانتهاء من البيوت والمدينة ، أما إذا قال إنه يصدق هنا أنه مسافر فلا كلام لنا ، فإذن هذه إعانة للشيخ النائيني(قده) ولكن على هذا التقدير وهو فيما إذا فرض عرفاً أنه لا يصدق المسافر بمجرّد الانتهاء من البيوت والأحياء فيبقى حينئذٍ مجال لما ذكره.

وفي حال العودة من السفر إذا رأى البيوت فإذا لا يقال له أنه مسافر فالقصر لا معنى له لأنَّ القصر واجب على المسافر فيصلي تماماً والاستصحاب هنا لا أحتاج إليه ، فإذن هذا الكلام يجري حتى في حالة العودة من السفر بهذا البيان الذي ذكرناه.

وأما بالنسبة إلى المطلب الأوّل:- فقد اعترض عليه السيد الخوئي(قده)[4] بأنه لا تساوي بين الاحتمالين ، وذلك ببيان:- أنَّ المعارضة هي بين إطلاق المفهوم في كلّ واحد مع منطوق الأخرى ، فإنَّ المفهوم لكل واحد مثل ( إذا خفي الأذان فقصّر ) فالمفهوم هو ( وإذا لم يخف الأذان فلا تقصّر حتى لو خفيت الجدران ) وهذا يعارض منطوق الشرطية الثانية ، فمنطوق الشرطية الثانية يعارض إطلاق مفهوم الشرطية الأولى ، فطرفا المعارضة هو إطلاق مفهوم كل واحدة مع منطوق الأخرى ، وهو لم يعبر في أجود التقريرات بهذا بل قال ( المعارضة بين مفهوم كل واحد ) ، ولكن لا تقل ذلك بل قل ( بين إطلاق مفهوم كل واحدة ) هكذا يكون فنّياً ، فالمعارضة بين إطلاق مفهوم كل واحدة مع منطوق الأخرى ، وفي مثل هذه الحالة نقول إنَّ النسبة بينهما هي نسبة المطلق إلى المقيد أو العام إلى الخاص ، والمطلق أو العام هو المفهوم في كلّ واحدة فإنه فيه إطلاق والخاص هو منطوق كل واحدة فنطبق قاعدة التخصيص أو التقييد وسوف تصير النتيجة هي ( وإذا لم يخف الأذان فلا تقصّر إلا إذا خفيت الجدران ) فنثلم الاطلاق ، فإطلاق مفهوم كل واحدة نقيده بمنطوق الأخرى تطبيقاً لقاعدة العام والخاص التي قرأناها في علم الأصول ، فالنتيجة سوف تكون هي أن كل واحد من هذين يكون شرطاً ، وهذا في صالح الاحتمال الثاني دون الثالث ، فإنَّ الثاني مقدم على الثالث فكيف تقول إنه لا مرجح لأحدهما على الآخر ؟!!


[1] أجود التقريرات، الخوئي، ج1، ص424.
[2] وسائل الشيعة، العاملي، ج4، ص84، أعداد الفرائض، ب22، ح3، ط آل البيت.
[3] وسائل الشيعة، العاملي، ج8، ص505، ابواب صلاة المسافر، ب16، ح2، ط آل البيت.
[4] أجود التقريرات، الخوئي، ج1، ص224 – 425، الهامش.