الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

38/05/27

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: التنبيه الثاني – تنبيهات – مفهوم الشرط - المفاهيم.

التنبيه الثاني:- إذا كانت لدينا شرطيتان اتفقتا في الجزاء واختلفتا في الشرط من قبيل ( إذا خفي الأذان فقصّر وإذا خفيت الجدران فقصّر ) ، ومن الواضح أنه عندنا الانسان إذا سافر فلابد من قطع ثمانية فراسخ حتى يقصّر وأنا ايضاً نويت قطع ثمان فراسخ ، والسؤال هنا هو أنَّ القصر متى أشرع به ؟ فهل أقصّر من الدار أو بعد الخروج من الدار لمسافةٍ قليلة أو إلى أن أصل إلى مسافةٍ أبعد ؟ - وهذه قضية ثانية ينبغي الالتفات إليها – والجواب:- إنك لا تقصر الصلاة إلا إذا وصلت إلى مكانٍ لا تسمع فيه الأذان ولا ترى فيه جدران المدينة ، فإذا وصلت إلى تلك المنطقة فعليك التقصير ، والرؤية للجدران والسماع للأذان هي على الحدّ المتوسط دون ما إذا كان سمعه أو نظرة ضعيفاً أو قوياً جداً ، والكلام هنا وهو أنه حينما تصل إلى هذه المنطقة فهنا سوف تبتدئ بصلاة القصر وإذا رجعت من السفر ففي الطريق تصلّي قصراً إلى أن تصل إلى المنطقة التي ترى فيها الجدران أو تسمع الاذان فحينئذٍ تصلّي تماماً ، نعم في الصوم يوجد كلام بأنه لا يصوم حتى يدخل البلد أو يدخل المحل ولكن تلك قضية ثانية ، فهذه فروعٌ هي ليس محلّ بحثنا الآن ولكني أردت التنبيه عليها وهي كثيراً ما تخفى ، فالمقصود هو أنه لابد أن تكون ناوياً لقطع ثمان فراسخ حتى يكون حكمك التقصير ولكن التقصير يبتدئ من المنطقة التي يختفي فيها الأذان ولا ترى الجدران ، ومن الواضح أنه في الصوم كذلك فلا تتمكن أن تفطر إلا إذا وصلت إلى هذا الحدّ فهنا يجوز لك الافطار ولا يجوز لك الافطار وأنت في البلد وهذه من القضايا الواضحة ، فنحن عندنا روايتان رواية تقول ( إذا خفي الأذان فقصّر ) ورواية ثانية تقول ( إذا خفيت الجدران فقصّر ) ، وأحياناً أو في الكثير من الأحيان قد يتحقق واحد منهما دون الثاني ولعلّ الذي يسبق هو خفاء الأذان ، وهذا ليس بمهم لنا ، ولكن لو اختلفا فسوف يحصل تعارض ما بين هاتين الشرطيتين لأنَّ الشرطية الأولى تقول ( إذا خفي الأذان فقصّر ) وبالمفهوم يكون المعنى ( وإذا لم يخف الأذان فلا تقصر حتى لو خفيت الجدران ) والعكس بالعكس ، فتحصل حينئذٍ معارضة بين إطلاق المفهوم في الثانية مع المنطوق في الأولى وهكذا العكس بالعكس ، فماذا نصنع في مثل هذه الحالة ؟

وقبل أن ندخل في العلاج نرى أن الجزاء واحدٌ في الشرطيتين ولكن الشرط مختلف ، ففي مثل هذه الحالة ماذا نصنع ؟

وقبل أن ندخل في الموضوع ننبّه على نكتة جانبية:- وهي أننا في بداية دراستنا سمعنا بهذا الشيء ولكن هل هناك روايات واردة بهذا اللسان أو أنّ لسانها بشكلٍ آخر ؟ إنَّ اللسان الوارد هو هكذا فإن الوارد في صحيحة محمد بن مسلم هو:- ( قلت لأبي عبد الله الرجل يريد السفر فيخرج متى يقصّر ؟ قال:- إذا توارى من البيوت )[1] فهي لم تذكر الجدران ، وهنا نكتة أشير إليها وهي أنَّ الوارد في تعبير الفقهاء ( إذا خفيت الجدران ) يعني أنت لا تراها بينما الوارد في الرواية هو بالعكس يعني إذا أنت تواريت عن البيوت يعني إذا لم يرك أهل المدينة لأنَّ الوارد في الرواية هكذا ( إذا توارى من البيوت ) وفاعل توارى ضمير مستتر يرجع إلى المسافر يعني إذا لم يره أهل البيوت لا أنه هو لا يرى البيوت ، ولكن هذا لا يشكّل إشكالاً وإنما أريد بيان واقع حال ، والتبديل هنا جيد وفي محلّه لأني كيف أعلم أني قد تواريت عنهم أو لا ، فعلى هذا الأساس من المناسب أن تكون عدم رؤيتي للبيوت هي الكافية باعتبار الملازمة ، لأنه عادةً إذا لم يروني فأنا لا أراهم أيضاً ، فالأحسن أن نجعل الميزان هو أني لا أراهم لا أنهم لا يروني ، فتبديلهم للضابط بهذا الشكل شيء لا بأس به ، والجدران هي عبارة عن البيوت فإذا لم ترَ الجدران لم ترَ البيوت ولا فرق بينهما.

والوارد في صحيحة عبد بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام هو:- ( سألته عن التقصير:- قال إذا كنت في الموضع الذي يسمع فيه الأذان فأتم وإذا كنتا في الموضع الذي لا تسمع فيه الأذان فقصّر وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك )[2] ، وهنا لا يوجد عندنا تعليق .

فإذن النتيجة:- هي أنَّ تعبير الروايات هو هذا ولكن نرجع إلى تعبيرنا السابق وهو ( إذا خفيت الجدران فقصّر وإذا خفي الأذان فقصّر ) ، فلنتماشى مع هذا التعبير.

والاحتمالات المهمّة في هذا ثلاثة:-

الاحتمال الأوّل:- أن نلغي المفهوم ونرفع اليد عن المفهوم رأساً ونأخذ بالمنطوق لأن المفهوم هو سبب المعارضة ونتيجة هذا سوف تصير ( إذا خفي الأذان فقصّر أو إذا خفيت الجدران فقصّر ) فيكفي هذا ويكفي ذاك لأنا قد رفعنا اليد عن المفهوم ، وعليه فسوف يصير كلّ منهما صالح لأن يكون شرطاً ، فالنتيجة سوف تصير أنه إذا تحقق واحد منهما يكفي

الاحتمال الثاني:- أنّ لا نرفع اليد عن المفهوم راساً وإنما نرفع اليد اطلاق المفهوم لا نفس المفهوم ونقيد اطلاق المفهوم بمنطوق الأخرى

والفارق بين هذا الاحتمال الثاني وبين الاحتمال الأوّل ، ففي الأول نحن نرفع اليد عن المفهوم رأساً ، أما الاحتمال الثاني فنحن نرفع اليد عن إطلاق المفهوم والأثر سوف يظهر هنا وهو أنه على التقدير الأوّل يعني إذا رافعنا اليد عن المفهوم فالشرط سوف يصير كلّ واحدٍ منهما ويحتمل إذا جاءتنا رواية ثالثة ورابعة ودلّت على أنّ خفاء شيء ثالث مثلاً يكفي ذلك فنأخذ به ، فإذن لا تدل على الحصر بالاثنين ، فعلى الأوّل حينما نلغي المفهوم رأساً لا يوجد عندنا ما يحصر الشرط بهذين الاثنين فقط ، نعم هذا شرط وهذا شرط لكن يحتمل وجود شرط ثالث ورابع فإذا دلّ الدليل عليه فسوف نأخذ به ، بينما على الاحتمال الثاني فالمفروض أنا رفعنا اليد لا عن أصل المفهوم بل رفعنا اليد عن اطلاق المفهوم ، فنقيّد إطلاق المفهوم بمنطوق الأخرى ويبقى المفهوم فعّالاً ، فبلحاظ نفي غير هذين الاثنين فالشرط سوف يصير هو خفاء الأذان أو خفاء الجدران فقط من دون وجود شرطٍ ثالث ، فالمفهوم بعدما قيّدنا اطلاقه وحافظنا عليه ينفي احتمال وجود شرطٍ ثالث ، بينما على الأوّل حينما رفعنا اليد عن أصل المفهوم فلا يوجد لك ما ينفي وجود شرطٍ ثالث ، هذا هو الفارق بين الاحتمال الأوّل والاحتمال الثاني ، فكلاهما يشترك في أنَّ الشرط هذا أو هذا إلا أن الفارق بينهما على الاحتمال الأوّل لا يوجد ما ينفي احتمال وجود شرط ثالث ، بينما على الاحتمال الثاني يوجد ما ينفي الشرط الثالث وهو المفهوم لأنَّ المفهوم لم نرفع اليد عنه رأساً وإنما قيدنا اطلاقه بلحاظ منطوق كل واحدة من الشرطيتين.

الاحتمال الثالث:- أن نقيد اطلاق المنطوق لا إطلاق المفهوم ، يعني الشرطية الأولى كانت تقول ( إذا خفي الأذان فقصّر ) فطلاق المنطوق هو أنه ( إذا خفي الأذان فأنت قصّر وإن لم تخفَ الجدران ) فإن خفاء الأذان وحده يكفي للتقصير ، بينما إذا قيدنا إطلاق المنطوق فسوف يصير ( إذا خفي الأذان وخفيت الجدران فقصّر ) ، فسوف يصير الشرط هو مجموع الاثنين ، فلا يوجد عندنا شرطان بل الشرط واحد وهو المجموع من حيث المجموع ، فالنتائج مختلفة فعلى الأوّل وعلى الثاني كل واحدٍ منهما شرط غايته على الأوّل يحتمل وجود شرط ثالث أو رابع أو خامس مستقل ولا يوجد ما ينفيه ، بينما على الثاني الشرط الثالث منفيٌّ لأنّا قيدنا المفهوم ولم نرفع اليد عنه رأساً وإنما قيّدنا اطلاق المفهوم ن أما على الاحتمال الثالث فقد تصرّفنا في المنطوق وقيدناه بالواو لا بـ ( أو ) فصارت النتيجة هي أنَّ الشرط هو المجموع بما هو مجموع فالشرط يكون واحداً ، فالنتائج مختلفة ، ومن الواضح أنه سوف يرتفع التنافي ، فالرافع للتنافي هو أحد هذه الأمور الثلاثة إما رفع اليد عن أصل المفهوم أو تقييد إطلاق المفهوم أو تقييد إطلاق المنطوق.

أما بالنسبة إلى الاحتمال الأول فهل هو وجيه أو لا ؟

الجواب:- المناسب وهنه وبطلانه وضعفه ، لأن أصل المفهوم ليس هو منشأ المشكلة والمعارضة ، وإنما منشأ المشكلة هو اطلاق المفهوم لأنَّ مقتضى إطلاقه هو أنَّ الشرطية تقول ( إذا خفي الأذان فقصّر ) ومفهومها ( وإذا لم يخفَ الأذان فلا تقصّر سواءً خفيت الجدران أم لا ) فسوف يتعارض اطلاق المفهوم مع منطوق الأخرى أما أصل ثبوت المفهوم بلا أن يكون له هذا الاطلاق لا مشكلة فيه ، فعلى هذا الأساس رفع اليد عن أصل المفهوم بلا موجب والضرورات دائما ًتقدّر بقدرها ، والمشكلة مادام أنها نشأت لا من أصل المفهوم بل من اطلاقه فالمناسب أن لا نرفع اليد عن أصل المفهوم بل نرفع اليد عن اطلاق المفهوم ، فإذن الاحتمال الأوّل باطل.

وربما يقول قائل[3] :- إنَّ المناسب رفع اليد عن أصل المفهوم لا عن إطلاقه ببيان: أنَّ شرط انعقاد اطلاق المفهوم أو أصل المفهوم كون المتكلّم في مقام بيان الشرائط ، فإذا اقتصر على شرط واحد فيدل ذلك على أنَّ هذا الشرط هو الشرط الوحيد ولا يوجد شرط آخر ، يعني هو علّة منحصرة فينعقد آنذاك المفهوم بعدما ثبت أن الشرط علّة منحصرة ولكن حيث فرضنا أنه يوجد شرط آخر أشارت إليه الشرطية الثانية فيظهر أنَّ المتكلّم ليس في مقام بيان الشرائط وإلا لقيّد وحيث لم يقيد ولم يشر إلى الشرط الثاني فيدل على أنه ليس في مقام البيان من حيث بيان الشرائط ، وإذا لم يكن في مقام البيان فلا ينعقد المفهوم رأساً لأنَّ شرط انعقاده كون الشرط علّية منحصرة وإنما يثبت كون الشرط علّة منحصرة إذا كان المتكلّم في مقام بيان الشرائط ولم يبين شرطاً آخر وقد فهمنا أنَّ المتكلّم ليس في مقام بيان الشرائط ، والقرينة على أنه ليس في مقام بيان الشرائط هو أنه يوجد شرط آخر وهو خفاء الجدران ولم يذكره ، فإذن هو ليس في مقام بيان الشرائط ، فلا ينعقد مفهوم أصلاً.

والجواب:- نقضاً وحلاً:-

أما نقضاً:- فإنه على ما ذكره يلزم أي إطلاق من الاطلاقات لا يمكن التمسّك به أصلاً ، فغالباً لا يبقى عندنا إطلاق ولا يمكن أن نتمسّك به لأنَّ ما من مطلقٍ إلا وله مقيد ، فكل مطلق عادةً له مقيد ، ولذلك قيل ( ما من عام إلا وقد خصَّ ) أي وما من مطلق إلا وقد قيّد ، فالنكتة واحدة ، فإذا كان يوجد مقيّد فوجود المقيّد المنفصل كاشف عن أنَّ المتكلم ليس في مقام البيان ، إذ لو كان في مقام البيان لبيّن القيد وحيث لم يبيّن القيد متصلاً فيدل على أنه ليس في مقام البيان ، نفس الكلام الذي ذكره نأتي به ، فيلزم أنه لا يبقى عندنا مطلق من المطلقات أو عام من العمومات يمكن التمسّك به.

وأما حلاً:- فيمكن أن نفترض أنَّ المتكلم هو في مقام البيان لا أنه ليس في مقام البيان ، فهو في مقام البيان ولكنه لا يمكن أن يبيّن جميع الأشياء فإنَّ هناك مصلحة تقتضي أن يُجزّئ في البيان إما لمصلحة تدريجية بيان الأحكام أو مصلحة أخرى فإنَّ طريقة الشرع المقدّس جرت على هذا وهي أنه لا تبيّن الأحكام كلّها بالكامل ، فلمصلحةٍ ما الامام لا يبيّن وإنما يترك البيان ، وحينما نصل إلى بحث الاطلاق فسوف نذكر بعض الروايات التي يبيّن فيها الامام عليه السلام أنه طريقتهم هي هذه وهي أنهم يبيّنوا مطلقاً ومقيداً وناسخاً ومنسوخاً وغير ذلك ، فإذا كانت هذه هي الطريقة لمصلحةٍ من المصالحة فإذن لا يمكن أن نقول هو لم يكن في مقام البيان ، كلا بل هو في مقام البيان وقد انعقد إطلاق فحينئذٍ نتمسّك بأصالة الاطلاق ولا بأس بها في المورد الذي لم يثبت وجود المقيّد فيه فإنه لا مانع من ذلك.


[1] وسائل الشيعة، العاملي، ج8، ص470، أبواب صلاة المسافر، ح1، آل البيت.
[2] وسائل الشيعة، العاملي، ج8، ص472، أبواب صلاة المسافر، آل البيت.
[3] والقائل هو السيد الروحاني، منتقى الأصول، السيد عبد الصاحب الحكيم، ج3، ص248.