الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

38/05/21

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: مفهوم الشرط - المفاهيم.

التقريب الرابع:- ما أفاده الشيخ العراقي(قده) ، وللشيخ العراقي(قده) كلامان في باب الجملة الشرطية او المفاهيم بكل عام :-

الكلام الأوّل:- ما تقدمت الاشارة إليه ، وهو أنه هناك اتفاق على أنَّ الشرط أو الوصف هو علّة منحصرة وهذا اتفاق بين الأصحاب على ذلك وإنما الخلاف يختصّ بالركن الثاني وهو أنَّ المعلق هو الطبيعي أو شخص الحكم فالنزاع يلزم أن نصبّه على الركن الثاني ، أما الركن الأوّل فقال إنَّ الجميع متفق عليه وهذا قد تقدّم.

الكلام الثاني[1] :- وحاصل ما ذكره: هو أنَّ استفادة المفهوم لا يحتاج إلى اثبات العلّية الانحصارية ، يعني لا نحتاج فيه إلى اثبات الركن الأوّل ، بل يمكن الاستغناء عن الركن الأوّل ، فمع عدم توفّر الركن الأوّل نحن نثبت المفهوم ، وحاصل ما ذكره:- إنَّ جملة ( فأكرمه ) في قولنا ( إذا جاءك زيد فأكرمه ) فالجزاء في الأصل هو ( أكرم زيداً ) ولكن بعد ذلك اختصر وجعل في الجملة الشرطية كجوابٍ فقيل ( فأكرمه ) ، فإذن ( فأكرمه ) هو في الأساس ( أكرم زيداً ) وإذا لاحظنا جملة ( أكرم زيداً ) نجد أنَّ هذه الجملة تدل على وجوب إكرام زيد في مختلف الحالات بمقتضى الاطلاق ، يعني سواء كان عالماً أم لم يكن فقيراً أم لم يكن هاشمياً أم لم يكن عالماً .... وهكذا ، يعني بتعبير آخر هي تدل على طبيعي الحكم الوسيع بهذه السعة والعرض العريض ، وإذا كانت هذه الجملة تدل على طبيعي الاكرام بعرضه العريض فلا يمكن ثبوت وجوبٍ آخر إلى جنب هذا الوجوب في حق زيد وإلا يلزم اجتماع وجوبين في موضوع واحد - والمقصود من الموضوع الواحد هو زيد - الوجوب الأوّل هو ذلك الطبيعي بعرضه العريض وهذا الوجوب الثاني واجتماع المثلين مستحيل ولا يمكن.

وعليه فسوف نخرج بهذه النتيجة:- وهي أنَّ الحكم هو هذا الطبيعي الوسيع ولا يوجد حكم آخر وإلا يلزم اجتماع المثلين ، وإذا علّق هذا الطبيعي ذو الدائرة الوسيعة على المجيء وقيل ( إذا جاءك زيد فأكرمه ) فلازمه أنه عند انتفاء المجيء انتفاء هذا الطبيعي الوسيع من دون أن يثبت وجوبٌ آخر إذ لو ثبت وجوبٌ آخر كان ذلك خلف فرض الانحصار إذ قد ذ كرنا قبل قليل أنَّ الوجوب منحصر بهذا الطبيعي ولا يوجد وجوبٌ آخر وإلا يلزم اجتماع مثلين ، فإذا انتفى المجيء يلزم انتفاء هذا الطبيعي ، وعليه فلا يوجد وجوبٌ آخر إذ لو ثبت وجوب آخر يعني مثل ( إن كان مريضاً فأكرمه ) فهذا خلف فرض الانحصار وقد فرضنا الانحصار قبل قليل ، وإذا لا يمكن ثبوت وجوبٍ آخر لأنه خلف فرض الانحصار فقد ثبت بذلك المفهوم ، وهي النتيجة التي نريدها.

وبناءً على هذا البيان لا نحتاج إلى اثبات أنَّ المجيء علّة منحصرة حتى نحتاج إلى تقريباتٍ كالتقريبات المتقدّمة ، كلا بل نحن نثبت المفهوم بلا حاجة إلى علّة انحصارية ، فنحن هنا أثبتنا المفهوم بلا حاجة إلى اثبات أنَّ المجيء علّة منحصرة ، فنحن أثبتنا أنه إذا انتفى المجيء ينتفي هذا الطبيعي الوسيع ولا يمكن ثبوت وجوبٍ آخر من دون أن نثبت أنَّ المجيء علّة منحصرة ، وهذا هو المفهوم.

ويمكن أن نصوغ هذا البيان ضمن مقدّمات فنقول:- إنَّ هذا البيان مركب من مقدّمات:-

الأولى:- إنَّ جملة ( فأكرمه ) في قولنا ( إذا جاءك زيد فأكرمه ) هي في الأصل ( أكرم زيداً).

الثانية:- إنَّ جملة ( أكرم زيداً ) بمقتضى الاطلاق تدل على وجوب إكرام زيد في مختلف الحالات ، أي تدل على ثبوت الوجوب الطبيعي العريض والوسيع والشامل لمختلف الحالات.

الثالثة:- إذا كان الجزاء هو الوجوب الوسيع الثابت في شتى الحالات لا يمكن ثبوت وجوب ثانٍ ، إذ لو ثبت وجوب ثانٍ يلزم اجتماع المثلين ، فإذن الوجوب ينحصر بهذا.

الرابعة:- إنَّ هذا الوجوب الطبيعي الوسيع قد فرض أنه قد علّق على المجيء ولازم التعليق المذكور أنه إذا انتفى المجيء انتفى هذا الطبيعي.

الخامسة:- إذا انتفى هذا الطبيعي فلا يمكن ثبوت وجوبٍ آخر ، إذ قد فرضنا انحصار الوجوب بذلك الطبيعي الوسيع.

وإذا لم يمكن ثبوت وجوبٍ آخر عندنا انتفاء المجيء كان ذلك هو عبارة عن المفهوم لأنَّ المفهوم هو أنه عند انتفاء المجيء لا يوجد وجوب إكرام وهذا قد اثبتناه ، فالطبيعي الوسيع قد انتفى لأنه معلّق على المجيء وقد انتفى المجيء فالطبيعي ينتفي ، والوجوب الآخر انتفى أيضا لأنّا قد فرضنا انحصار الوجوب بذلك الطبيعي الوسيع.

وفيه:- إنه لو تمت الأصول الموضوعية لهذا البيان التي منها أنه لا يمكن اجتماع وجوبٍ آخر إلى جنب الوجوب الأوّل الطبيعي وهذا قد يقال هو أوّل الكلام فإن اجتماع المثلين لا يجوز في الأمور الحقيقية مثل البياض والبياض أما في الأمور الاعتبارية فلا مانع من ذلك فإنه لا محذور في ذلك فاجتماع وجوبين ولا بأس به غايته قد يقال بالتأكّد ، فعند مورد الاجتماع يتأكد ، وعلى مبنى الشيخ العراقي(قده) الذي يفسّر حقيقة الوجوب بأنها إرادة اجتماع ارادتين لا بأس به وتتحوّل إلى إرادة واحدة قوّية ، فلا محذور في الاجتماع لكن بعد التحوّل إذا فسّرناه بالإرادة ، وإذا فسّرناه بالاعتبار فلا حاجة إلى الاندكاك والتحوّل ، والآن نحن نريد أن نغضّ النظر عن هذا فإنَّ هذا ليس بالشيء المهم والذي نريد أن نقوله: هو أنه قال ( إذا علّق الطبيعي على المجيء فحينئذٍ لا يمكن ثبوت وجوب آخر عند انتفاء المجيء ) ، إنَّ لازم هذا الكلام هو أنه يستحيل حينئذٍ أن يحكم المولى بالوجوب عند انتفاء المجيء من ناحية كون زيد هاشمياً مثلاً ، يعني لو أراد أن يقول ( وإذا لم يجئك فلا تكرمه إلا إذا رأيته فقيراً ) فعلى رأي العراقي(قده) هذا يستحيل إذ يلزم من ذلك خلاف فرض الانحصار فإنه قد فرضنا أنَّ الحكم الأوّل وهو الطبيعي الوسيع ثابت في مختلف الحالات فلا يمكن حينئذٍ ثبوت وجوبٍ آخر إذ يلزم اجتماع المثلين ، ولازم كلام العراقي(قده) أنَّ المولى لا يستطيع أن يقول ( وإذا لم يجئك فلا تكرمه إلا إذا كان فقيراً ) والحال أنه هذا لا يمكن أن يتفوّه به أحد ، فإنه إذا دلّت قرينة على ذلك فسوف نلتزم به ، بينما على رأيه أنه حتى لو جاءك دليل ثانٍ وقال لك ( إذا لم يجئك فأكرمه إن كان فقيراً ) نقول هذا الدليل الثاني أنت باطل ، وهذا لا يمكن القول به.

فإذن الصحيح هو أنَّ كلام الشيخ العراقي(قده) يتم فيما لو علّق هذا الطبيعي على المجيء وفرضنا أنَّ المجيء علّة منحصرة ولا علّة أخرى ، فإذا افترضناه علّة منحصرة فصحيح أنه لا يمكن ثبوت وجوب آخر عند انتفاء المجيء إذ ذلك خلف فرض انحصار العلّة بالمجيء ، أما إذا فرضناه ليس علّة منحصرة كأن كان المجيء علّة والفقر علّة ثانية أيضاً فلا محذور حينئذٍ في ثبوت وجوب الاكرام عند انتفاء المجيء ولا يحتمل أحد أنه يستحيل إلا الشيخ العراقي(قده).

والخلاصة:- لو سلّمنا بالأصول الموضوعية فكلامه يتم وأنه لا يمكن ثبوت وجوبٍ آخر إذا كان المجيء علّة منحصرة ، أما إذا كانت هناك علّة أخرى فيمكن ثبوت وجوبٍ آخر عند انتفاء المجيء ، فإذن عدنا بالتالي إلى اثبات أنَّ الشرط علّة منحصرة.


[1] نهاية الأفكار، العراقي، ج1، ص478 و 480.