الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

38/04/16

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: تتمة التنبيه السابع من تنبيهات مسألة اجتماع الأمر والنهي ، هل النهي يقتضي الفساد ؟

حكم الصلاة أثناء الخروج:

إذا أراد المكلّف الخروج من الأرض المغصوبة وفي أثناء الخروج حلّ وقت الصلاة فهل يستطيع أن يصلّي أو لا ؟

نقول: تارة يفترض أنه توجد سعة في الوقت ، وأخرى نفترض أنه لا سعة فيه.

فإن كان في الوقت سعة: فهل يجوز أن يصلّي أثناء الخروج الصلاة الاختيارية ؟ وإذا قلت لا يجوز فأقول لك أصلّي الصلاة الايمائية ؟

والجواب: إنه لا يجوز ذلك مادام توجد سعة في الوقت ، لأنه إذا صليت الصلاة الاختيارية فهذا يوجب زيادة إشغالٍ للغصب بلا حاجة إليه فلا تجوز ، فإذن الصلاة الاختيارية لا تجوز لفرض أنها بلا مبرّر لفرض سعة الوقت ، وأما الصلاة عن إيماء فلا مبرر لها أيضاً باعتبار أنك تتمكن من الصلاة الاختيارية بعد الخروج من المغصوب ، فعليك أن تنتظر وتصلّي بعد خروجك ، فلا مبرر للصلاة الاختيارية ولا للصلاة الايمائية غير الاختيارية.

وإن لم يكن في الوقت سعة: يعني أنَّ الخروج كان يحتاج خمس دقائق مثلاً والباقي من الوقت إلى غروب الشمس خمس دقائق أيضاً فإذا أراد تأجيل الصلاة فسوف ينتهي وقتها ، ففي مثل هذه الحالة تجوز الصلاة بل تجب أثناء الخروج ولكن إيماءً لا اختياراً ، إذ المفروض أنَّ الصلاة الاختيارية توجب مزيد بقاء فلا يجوز لك الصلاة الاختيارية ، إلا اللهم إذا كانت الصلاة الاختيارية لا تستدعي تصرّفاً زائداً كما لو فرض أنه كان في سيارة مريحة ويستطيع القيام فيها وهي تمشي سريعاً لكن لا تفوته الطمأنينة فهو يقف في السيارة ويصلّي فيقوم ويقرأ ويركع ويسجد فهذه الصلاة الاختيارية لا تستلزم تصرّفاً زائداً في الغصب والبقاء أكثر فيه فتجب ، أما إذا كان يلزم ذلك كما لو كان خروجه مشياً فهنا يأتي بالصلاة إيماءً وحينئذٍ تكون هي الواجب مادام لا يوجد في الوقت سعة.

إن قلت: هذا وجيه بناءً على جواز اجتماع الأمر والنهي ، وجواز الاجتماع قلنا إنَّ معناه أنه يوجد تعدّد في المتعلّق إما لأجل أنَّ العنوان هو المتعلّق فلم يحصل اجتماع فجواز اجتماع يكون بهذا المعنى ، أو نقول المتعلّق هو الوجود الخارجي وهو يتعدّد بتعدّد العنوان ، فإذا كنّا نقول بذلك فيوجد أمرٌ ويوجد نهيٌ ، فأنا حينئذٍ أمتثل الأمر وأصلي الصلاة الايمائية امتثالاً لهذا الأمر ، أما إذا بنينا على الامتناع يعني أنّ المتعلّق واحد فالحكم لابد وأن يصير واحداً وقدّمنا جانب النهي فلا أمر ، ومادام لا أمر فهذه الصلاة تكون بلا أمر.

قلت: إنه في خصوص باب الصلاة بخصوصها المفروض أنه كلّنا متفقون على أنها لا تسقط بحال ، فالأمر بالصلاة لا يسقط ، فإذا اتفقنا على هذا وهذا شيء على خلاف القاعدة ، فصحيحٌ أنَّ المناسب على الامتناع وتقديم جانب النهي أنه لا يوجد أمر فالصلاة لابد وأن تسقط ، ولكن لأجل خصوصيّة في باب الصلاة وأنها لا تسقط بحالٍ من الأحوال فإنه بناءً على هذا لو تمّ فنقول لابد وأن تأتي بالصلاة إيماءً في أثناء الخروج كما أوضحنا.

وبهذا نختم كلامنا عن مسألة اجتماع النهي.

 

هل النهي يقتضي الفساد أو لا ؟

قبل الدخول في هذه المسألة أشير إلى قضيتين:

القضية الأولى: جرت عادة صاحب الكفاية(قده) وتبعه غيره أنه قبل أن يدخل في المسألة يقول ينبغي تقديم أمور ويذكر عدة أمور ثم يدخل في المسألة ، ولعلّ بعض هذه الأمور ليست مهمة ولعلّ بعضها الآخر مهم ، لكني أرى أنَّ من الأجدر أن لا نذكر هذه الأمور في البداية مادام فهم المطلب لا يتوقف عليها وإنما هذه الأمور تدفع إشكالات عن المطلب أو توجب زيادة إيضاح له ، فمن المناسب أن تجعل ما بعد بيان المطلب ، فمن جملة الأمور التي بحثوها مثلاً أنَّ هذه المسألة أصولية أو فقهية ، وهذا ليس بمهم مضافاً إلى أنه لابد وأن نعرف مضمون المسألة والبحث يدور حول ماذا حتى نقول حينئذٍ هي فقهية أو أصولية ، فمن المناسب إما أن نحذفها من الأساس أو نذكرها بعد أن نبيّن المسألة فنأتي حينئذٍ إلى بيان أنها أصولية أو فقهية ، أو مثلاً أنَّ الصحة والفساد هل هما أمران انتزاعيان أو هما أمران مجعولان ؟ ، ثم ماذا يُقصَد من الصحّة هل يُقصَد منها سقوط القضاء والاعادة أو يُقصَد منها موافقة الأمر ؟ وفسّرها المتكلّم بكذا وفسّرها الفقيه بكذا والنسبة بين التفسيرين كذا ، فهذه الأشياء توجب الغموض ، فهي إما أن لا نحتاج إليها أو أننا نحتاج إليها ولكن فلنجعل بيانها بعد بيان أصل المسألة.

ومثلاً من قبيل الفرق بين هذه المسألة ومسألة جواز اجتماع الأمر والنهي ، فمقصودي هو أنَّ هذا وما شاكله إما أن لا نحتاج بعضه ولذلك سوف أحذف الكثير من هذه الأمور، أو إذا أردنا أن نذكره فسوف نذكره بعد ذلك.

القضية الثانية: إن نزاعنا في النهي التكليفي وليس في النهي الارشادي ، والفارق بين الارشادي والتكليفي واضح ، وهو أنَّ التكليفي هو الذي تكون مخالفته توجب العقوبة ويلزم الانبعاث عنه فإذا لم ينبعث أو لم ينزجر فسوف يعاقب ، بينما الارشادي فهو مجرّد إرشاد إلى أنَّ هذا مضرّ أو نافع أو ارشاد إلى أنّ هذا فاسد أو صحيح ، فإذا كان النهي ارشادياً من قبيل ( لا تصل فيما لا يؤكل لحمه ) فهذا نهي ارشادي لأنه إذا خالفته لم تكن هناك عقوبة غايته أنه فقد شرط من شرائط الصلاة ، فالصلاة تكون فاسدة فيلزم أن تصلي من جديد ، فهذا النهي الارشادي خارج عن محلّ الكلام لأنه من البداية يرشد إلى الفساد ، يعني أن هذا شرط ، فكون اللباس من غير أجزاء ما لا يؤكل لحمه شرط ، يعني أنَّ الصلاة فاسدة من دون هذا الشرط ، فإذن لا معنى للنزاع أنه يقتضي الفساد أو لا ، بل أصلاً تعبير يقتضي الفساد باطل ، بل أصلاً مدلوله هو الفساد فهو يقول إنَّ الصلاة باطلة من هذا الشرط ، فإذن هذا خارج عن محلّ الكلام ، وإنما محل كلامنا فيما إذا فرض أنَّ النهي كان نهياً تكليفياً مثل: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي إلى الصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ﴾ [1] فهذا نهي تكليفي ، فالبيع حرام ، فهنا نتكلّم أنَّ حرمة العبادة أو حرمة المعاملة هل تقتضي الفساد أو لا ؟ ، فإذن ليكن محلّ الكلام من البداية هو النهي التكليفي.

ثم نقول: الكلام مرّة يقع عن باب العبادة وأن النهي التكليفي عنها هل يقتضي الفساد أو لا ، وأخرى يقع الكلام عن المعاملة.

اقتضاء النهي للفساد في العبادة:

لا إشكال في أنَّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد مادام النهي تكليفياً ، ولماذا ؟

يمكن ذكر عدّة تقريبات في هذا المجال:

التقريب الأوّل: إنه مع النهي عن العبادة مثل صلاة الحائض بناءً على أنَّ النهي تكليفي لا إرشادي فلا أمر ، ومع عدم الأمر كيف يقصد التقرّب ؟ فالتقرّب يحتاج إما إلى أمرٍ أو ملاكٍ ، والأمر ليس بثابتٍ جزماً لفرض وجود النهي التكليفي ، أو التقرّب يكون بالملاك ولا ملاك بعد فرض سقوط الأمر وعدم وجوده حتى يمكن التقرّب من خلاله ، فإذن لا يمكن قصد المقرّبية من هذه الناحية وهي أنه لا أمر ولا ملاك.

إن قلت: صحيح أنه لا كاشف عن الملاك ولكن يحتمل أنه ثابت واقعاً ولكن لا كاشف عنه فتأتي الحائض بالصلاة برجاء أن يكون هناك ملاك.

 


[1] سورة المنافقون، الآیة 9.