الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

37/04/06

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- ثمرة وجوب المقدّمة - مقدّمة الواجب.

وأمّا الشيخ العراقي(قده):- فذكر أنّ الوجوب لا ينصبّ على مطلق المقدّمة ولا على الموصلة المقيّدة بالإيصال.

أمّا أنّه لا ينصبّ على مطلق المقدّمة:- فلأنّ الهدف من وجوب المقدّمة هو الوصول إلى ذي المقدّمة فلا معنى لوجوب مطلق المقدّمة[1] .

وأمّا أنّه لا يمكن الوجوب متعلقاً بالمقدمة الموصلة بقيد الإيصال:- لأنّه يلزم الدور فيتعيّن شقٌّ ثالث[2] .

وكيف يلزم الدور إذا قلنا أنَّ الوجوب الغيري يتعلّق بالمقدمة الموصلة ؟

والجواب:- هنا اختلف بيان العراقي(قده) عما سبق من بيان النائيني(قده) للدور.

أمّا الدور الذي بينه العراقي(قده) فإنه قال:- إنّ المقدّمة إذا كانت هي الموصلة فذلك يعني أنّ الوجوب الغيري يتعلّق بالمقدّمة التي تكون مع سائر المقدّمات لأنّها آنذاك تصير موصلةً ، فيلزم توقّف المقدمة الأولى على تحقّق الثانية ، وتحقّق الثانية يتوقّف على تحقّق الأولى ، وهذا هو الدور.

وجوابه واضح:- فإن تحقّق المقدّمة الأولى وانصباب الوجوب الغيري عليها يتوقّف على تحقّق ذات المقدّمة الثانية وليس على عنوان مقدّميتها ، ومن المعلوم أنّ ذات المقدّمة الثانية لا تتوقّف على تحقّق المقدّمة الأولى بعنوان المقدّمية الأولى أو بعنوان ذات المقدّمة ، بل ذات المقدّمة الثانية لا تتوقّف على شيءٍ ، فأين الدور ؟!!

عود إلى صلب الموضوع:- هو أنّ الشيخ العراقي ذكر أنّ الوجوب الغيري لا يتعلّق بمطلق المقدّمة لأنّ الهدف هو الإيصال إلى ذي المقدّمة فلا معنى لتعلّق الوجوب الغيري بمطلق المقدّمة كما أنّه لا يتعلّق بالمقدّمة الموصلة لأنّه يلزم من ذلك الدور بالبيان الذي ذكرناه فيتعيّن شقٌّ ثالث وهو أن يتعلّق الوجوب الغيري بالمقدّمة حال إيصالها إلى ذي المقدّمة ، أي الحصّة التوأم مع تحقّق ذي المقدمة[3] .

وفي مقام التعليق نقول:- لا يبعد أنّ ما ذكره العلمان هو نفس ما أشرنا إليه سابقاً من أنّ عنوان الموصلة لم يؤخذ بنحو القيديّة بل أخذ بنحو المشيرية إلى ذات الحصّة الموصلة من دون أن يكون الإيصال قيداً ويتعلّق به التكليف وغير ذلك ، غايته هما عبرا بالتوأم ونحن عبّرنا بالمشيرية ، بل يوجد في بعض كلمات الشيخ العراقي(قده) تعبير المشيرية أيضاً[4] .

وعلى أيّ حال ما دمنا قد اتفقنا فحينئذٍ لا إشكال لنا معه ، نعم كانت هناك إشكالات جانبيّة في بيان الدور أو الستلسل ولكن هذه قضية ثانية ، أمّا أصل المدّعى فلا.

ثمرة وجوب المقدّمة:-

ما هي ثمرة البحث في مسألة وجوب المقدمة ؟

إنّ هذه السألة بالرغم من عمقها ، واهتمام الأصوليين بها ، وذكر أبحاث معقّدة فيها ، اختلفوا بعد ذلك في ثمرتها ، ، والشيخ الخراساني(قده) في الكفاية[5] ذكر تحت عنوان ( تذنيب ) الثمرة التالية:-

الثمرة الأولى[6] :- وهو أنّه تصير المقدّمة واجبة ، فالسفر إلى الحج يصير واجباً شرعياً إلى الحج ، وكذلك تحضير بطاقة الطائرة والجواز ..... وهكذا ، وهذه ثمرةٌ ، فنحن نبحث عن الملازمة وأنه هل توجد ملازمة بين وجوب الشيء ووجوب مقدّمته عقلاً أو لا ؟ فبناءً على ثبوت الملازمة نستنبط من الملازمة الوجوب الشرعي للمقدّمات ، وهذا ما ذكره الشيخ الخراساني(قده) في الكفاية وتبناه.

وجوابه واضح:- وهو أنّا نريد أن نسنتنبط من المسألة الأصولية وجوباً شرعيا له آثار ، فالمسألة الأصولية لابد وأن تأتي لنا بوجوبٍ يشتمل على آثاره لا أنّه وجوبٌ لا آثار له[7] .

وهل يوجد وجوب بلا خصائص الوجوب ؟

نعم فإنّ الوجوب الغيري لا محركيّة له غير محركية الوجوب النفسي ، ولا طاعة مستقله له غير طاعة الجوب النفسي ، ولا عصيان مستقل ، ولا ثواب مستقل ، ولا عقاب مستقل ، وهذه لا تصلح أن تكون ثمرة للمسألة الأصولية لأنّ المكلف إذا لم يحجّ فسوق يعاقب على ترك الحج وليس على ترك المقدّمات ، وكذلك في حال الإطاعة فإنّه سوف يثاب على الحج وليس على مقدّماته ، فإذن هذا لا يصلح أن يكون ثمرة.

الثمرة الثانية:- ما أشار إليها صاحب الكفاية(قده) أيضاً[8] ، ولكن هذا ذكره كثمرةٍ بين وجوب مطلق المقدّمة ووجوب المقدّمة الموصلة حيث قال:- ما هي الثمرة في النزاع مع صاحب الفصول فسواء قلنا بأنّ المقدّمة الموصلة واجبة أو أنَّ مطلق المقدّمة واجبة فأين تظهر الثمرة بين الرأيين ؟!!

وفي هذا المجال ذكر ثمرةً نحن نجعلها ثمرةً لوجوب المقدّمة وحاصله أن يقال:- لو كان هناك واجبٌ كإزالة النجاسة من السجد بأن دخل شخص إلى المسجد ورأى فيه نجاسة فتصير الإزالة واجبة وضدّها - أي الصلاة - يمكن أن نقول - التي هي واجبٌ عباديٌّ - بناءً على وجوب مقدّمة الواجب يقع محرّماً ، فيقع فاسداً.

ولماذا يقع محرماً ؟

ذلك لأنّ تركه مقدّمة للازالة.

فإذا بنينا على أنّ مقدّمة الواجب واجبة صار ترك الصلاة واجباً ، وإذا وجب ترك الصلاة حرم الضدّ العام لترك الصلاة ، والضد العام لترك الصلاة هو نفس الصلاة بناءً على قانون ( الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العام ).

ولا تقل:- إنّ الضد العام لترك الصلاة هو ترك ترك الصلاة.

فأجاب:- بأنّ المقصود من الضدّ العام هو أعمّ من الترك والعين - أي ذلك الشيء المتروك - ، فهو ترك الصلاة أو نفس الصلاة أعمّ من العدم والمعدوم ، فيحنئذٍ الضدّ العام كما يصدق على الترك يصدق على نفس الصلاة ، فترك الصلاة ضدّها هو نفس الصلاة ، فنفس الصلاة ضدّها ترك الصلاة وترك الصلاة ضدّها العام هو الصلاة نفسها ، فصار فعل الصلاة محرّماً - بناءً على قانون ( الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه ) - ، وإذا صار محرّماً فسوف يقع فاسداً لقانون ( النهي عن العبادة مفسدٌ لها ).

أمّا إذا لم نبنِ على وجوب مقدّمة الواجب:- فالصلاة لا تقع فاسدة؛ إذ تركها لا يصير مقدّمةً واجبةً ، فصحيحٌ هي مقدّمة ولكن مقدّمة الواجب ليست بواجبة ، فلا يأتي هذا الدليل.

هذه ثمرة تنتزع من كلام صاحب الكفاية(قده) لوجوب مقدّمة الواجب ، بينما بناءً على عدم وجوب مقدّمة الواجب فالمقدمة الثانية من هذه المقدّمات الأربعة سوف تنخرم ، فإذا انخرمت فحينئذٍ سوف تبطل هذه الثمرة.


[1] إذن هو أبطل هذا الاحتمال - أي وجوب مطلق المقدّمة - بكون الهدف من أيجاب المقدّمة هو الوصول فلا معنى لوجوب مطلق المقدّمة فلابد وأن نلاحظ عنصر الوصول بشكلٍ وآخر.
[2] وتقريباً المنهجة العراقية هي نفس المنهجة النائينينة مع اختلافٍ في المفردات.
[3] ومن أراد المراجعة في بدائع الافكار، ص389، وأشار إلى المطلب ثانية في ص392.
[4] فلاحظ بدائع الافكار، ص393، السطر الأوّل.
[5] كفاية الاصول، الآخوند الخراساني، ص123، ط مؤسسة آل البيت.
[6] وهو ما يخطر إلى الذهن.
[7] كالرجل بلا رجولة، وهنا كذلك.
[8] كفاية الاصول، الآخوند الخراساني، ص121.