الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

37/04/05

بسم الله الرحمن الرحیم

الموضوع:-مقدّمة الواجب.
كلامٌ للعلمين:-
ذكرنا فيما سبق أنّ الشيخ النائيني(قده) قد لم يقبل فكرة المقدّمة الموصلة وقال يلزم من ذلك محذوران الدور والتسلسل بالبيان المتقدّم.
إنه بعد أن بنى على هذا - أي أن المقدمة الواجبة ليست هي الموصلة - نسأله ونقول:- هل الواجب هو مطلق المقدمة ؟ فيقول:- كلا . فإذن هو يرفض هذا وذاك معاً، أي يرفض كون الوجوب متعلقاً بالموصلة، ويرفض الإطلاق يعني كون المقدّمة مطلقاً واجبة، ولماذا؟
الجواب:- إن النكتة تبتني على مبنىً معروف للشيخ النائيني(قده) في باب الاطلاق والتقييد وأن التقابل بينهما هو تقابل الملكة والعدم، يعني اذا استحال التقييد استحال الاطلاق ما دام التقابل بينهما هو تقابل الملكة والعدم لا تقابل الضدّين ولا النقيضين، فاذا كان التقابل تقابل الضدين أو النقيضين فاستحالة التقييد توجب – تحتم – الاطلاق، أما اذا كان من باب الملكة والعدم فاذا استحال التقييد استحال الاطلاق أيضا، وعليه اذا لم يمكن الاطلاق ولا التقييد فعلى ماذا يبني ؟!
وتكملة لهذا أقول :- إن الأعلام اختلفوا في تقابل الاطلاق والتقييد وهل هو تقابل الضدين ؟ أو النقيضين ؟ أو تقابل الملكة والعدم ؟ علماً أن هذا الاختلاف بلحاظ عالم الثبوت لا بلحاظ عالم الاثبات، فبلحاظ عالم الاثبات الكلّ متفقٌ على أن التقابل هو تقابل الملكة والعدم، وأما بلحاظ عالم الثبوت فهو محلّ الخلاف.
وبعبارة أوضح:- فاذا فرض أن شخصا قال ( اعتق رقبة ) وكان في ضمنها رقبة كافرة يخاف بطشها فلم يمكن له التقييد بالمؤمنة في عالم الاثبات ( عالم الكلام والدلالة ) وعليه اذا لم يمكنني أن اقيد فكيف نستكشف الاطلاق؟ فاكتشاف الاطلاق إثباتاً من عدم التقييد اذا كان بالامكان التقييد، أما اذا لم يمكن فلا يكتشف ذلك، وهذه قضية واضحة ومفروغ عنها، نعم الكلام كلهّ في عالم الثبوت.
واذا قلت لي:- فلنترك عالم الثبوت، بعد أن كان المهم هو عالم الاثبات.
قلت:- توجد ثمرات في هذا البحث كما في محلّ كلامنا، فلو قلنا إن التقييد بالموصلة شيء مستحيل فعلى مبنى السيد الشهيد(قده) - الذي يققول إن التقابل هو تقابل التناقض - يصير الاطلاق ضرورياً؛ اذ استحالة أحد النقيضين يوجب ضرورة ثبوت النقيض الآخر، وأما على رأي السيد الخوئي(قده) – الذي يقول إن التقابل هو تقابل التضاد -  فأيضا اذا استحال التقييد تعيّن الاطلاق، وأما على رأي الشيخ النائيني(قده)  - الذي يقول إن التقابل هو تقابل الملكة والعدم - فاذا استحال التقييد استحال - لا تعيّن – الاطلاق، وهذه ثمرات.
اذن الخلاف كلّه هو بلحاظ عالم الثبوت دون الاثبات لأن الكلّ فيه متفق وأن التقابل هو تقابل الملكة والعدم.
عودٌ الى صلب الموضوع:-
قال الشيخ النائيني(قده):- إنّه بعد أن استحال التقييد ثبوتاً استحال الاطلاق ثبوتا أيضاً، فمطلق المقدّمة ليست واجبة، وعلى هذا الأساس اختار الشيخ النائيني شقاً ثالثاً في المسألة وهو أن الواجب هو المقدّمة حالة كونها موصلة - لا بقيد كونها موصلة - كما قلنا.
وبتعبير آخر - مني -:- أي حالة كونها مقترنة ببقيّة المقدّمات والذي يعني تحقّق ذي المقدّمة.
اذن الوجوب منصبٌّ على المقدّمة حالة اقترانها ببقيّة المقدّمات والتي هي حالة الإيصال.
أو بتعبيرٍ آخر:- حالة كونها مقدّمة توأماً - أي مقترنةً - مع ببقية المقدّمات وبالتي حالة كونها توأماً مع تحقّق ذي المقدمة، فالوجوب إذن منصبٌّ على المقدّمة ولكن ليست الموصلة ولا المطلقة بل المقدّمة والحصّة التوأم مع ذي المقدّمة.
ونحن نسأل الشيخ النائيني(قده) ونقول:-  لماذا قلت إن الوجوب الغيري يتعلق بالحصة التوأم ؟
فيقول:- إن الهدف من الوجوب الغيري هو التوصّل الى ذي المقدّمة، ومادام الهدف هو ذلك فلا يمكن أن تكون مطلق المقدّمة هي الواجبة إذ هذا خلف الهدف وهو الوصول الى ذي المقدّمة، فلا معنى لأن تكون مطلق المقدّمة هي الواجبة، كما هي ليست الموصلة بقيد الإيصال - للزوم محذور التسلسل أو الدور -، فيتعيّن أن نلتزم بهذا الشق الثالث - أي فكرة الحصة التوأم -.
ثم قال(قده):- إن نفس هذه الفكرة ثابتة في باب الأجزاء، فكلّ جزء من الأجزاء مطلوبٌ لا بقيد الجزء الآخر، ولا بشكل مطلق، بل حالة كونه توأماً مع بقيّة الأجزاء، فهذه الفكرة طبّقها على الأجزاء أيضاً.
ثم قال ذلك:- ولعلّ هذا  هو مقصود صاحب الحاشية(قده) حيث إنّ له عبارة قد تشير الى ما ذكرناه فانه أنكر في البداية فكرة المقدّمة الموصلة - أي ليس الواجب هو المقدّمة بقيد الإيصال - وبعد أن أنكرها قال:- الواجب هو المقدّمة من حيث الإيصال . لذا قال الشيخ النائيني(قده) لا يبعد أن مقصوده من قيد ( من حيث الإيصال ) الحصّة التوأم.

ثم إن هناك شيئاً جانبياً وهو لا بأس به وحاصله:- لماذا لم يطبق الشيخ النائيني(قه) فكرة متمّم الجعل ونتيجة الاطلاق أو نتيجة التقييد فإنه في سائر الموارد - مثل التقييد بقصد القربة - التزم بعدم إمكان التقييد ولكن المولى إذا إراد الوصول الى نتيجة التقييد فيمكن أن يأتي بدليلٍ ثانٍ يقول ( افعل الصلاة بقصد امتثال الأمر الأول )، فهو يأتي بأمرٍ أوّل مهمل فيقول ( صلِّ ) من دون قصد الامتثال، ثم يأتي بأمرٍ ثانٍ فيقول ( افعل الصلاة بقصد امتثال ذلك الأمر الأوّل ) وهذه تكون نتيجة التقييد وليست تقييداً لأن التقييد يكون في الدليل الواحد . وإذا أراد الصلاة بشكل مطلق يقول ( افعل الصلاة قصدت امتثال الامر الأول أو لم تقصده ) وهذه تكون نتيجة الاطلاق، فالشيخ النائيني(قده) التزم في سائر الموارد بذلك فلماذا تركه هنا ؟
أجاب(قده) وقال:- النكتة هي أنّ وجوب المقدّمة مترشّح من وجوب ذي المقدّمة، فكلّ قيدٍ يؤخذ في المقدّمة لابد وأن يكون مأخوذاً في ذي المقدّمة لأنّه لازم الترشّح المذكور، فاذا فرض أنّ وجوب المقدّمة كان مقيداً بكونه توأماً مع ذي المقدّمة فيلزم أن يكون هذا القيد مأخوذاً في وجوب ذي المقدمة أيضاً، فيجب ذو المقدّمة إن كان توأماً مع ذي المقدّمة، وهذا لا معنى له، فلا يمكن أن يتقيّد وجوب ذي المقدّمة بتحققه، فحيث إن هذا القيد لا يمكن تطبيقه على وجوب ذي المقدّمة فلا يمكن تطبيقه على وجوب المقدّمة.
فنتيجة التقييد ليست ممكنة، وهكذا نتيجة الإطلاق ليست ممكنة أيضاً لهذه النكتة التي أشرنا اليها، فلذلك التزم بفكرة الحصّة التوأم . هذا كّله بالنسبة إلى كلام الشيخ النائيني(قده).