الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

37/03/22

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- مقدمة الواجب.

ثانياً:- إنّك ذكرت أنّ قصد المقدّمة يلازم قصد التوصّل إلى ذي المقدّمة ، ونحن نقول:- إنّما يلازم ذلك لو كان المقصود من المقدّمة عنوان المقدّمة - فهنا نسلّم أنّ قصد عنوان المقدّمة يلازم قصد التوصّل إلى ذي المقدّمة ، فمن قصد الاتيان بالسفر بما هو مقدّمة يعني هو بالتالي قاصدٌ الحجّ ، فقصد عنوان المقدّمة يلازم قصد التوصّل وهذا صحيح - ، أمّا إذا كان المقصود من المقدّمة هو واقع المقدّمة لا عنوانها فلا ملازمة ، فيمكن للشخص أن يقصد واقع المقدّمة - وواقع المقدّمة في مثالنا هو السفر - فيقصد السفر بما هو سفر لا بما هو مقدّمة فهنا قصد السفر بما هو سفر لا يلازم قصد التوصّل إلى الحج.

وحيث إنّ الصحيح هو الثاني - يعني أنَّ العلة لحكم العقل بوجوب السفر هو كونه مقدّمة وليس العلّة هو عنوان المقدّمية - ، فإذن عنوان المقدّمية ليس مقدّمة إنّما الذي هو مقدّمة للحج هو واقع السفر وواقع المقدّمة لا عنوان المقدّمة.

ثالثاً:- سلّمنا بكلّ ما ذكرت ، ولكنك قلت:- إنّ الوجوب دائماً يختصّ بالأمر الاختياري المقدور.

ونحن نقول:- هذا صحيحٌ ، ولكن ما هي النكتة ؟ إنَّ الوجه على ما ذكر الشيخ النائيني(قده) هو أنّ التكليف الوجوبي مجعولٌ بداعي التحريك ، فالمولى يريد أن يحرّك المكلّف حينما يقول ﴿ ولله على الناس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً ﴾ فهو يحرك المكلّف نحو الحجّ ، والتحريك لا يصحّ إلّا نحو الأمر الاختياري المقدور.

فإذا كانت هذه هي النكتة فحينئذٍ نقول:- إنّ هذه النكتة تتمّ في الواجبات النفسيّة دون المقدّمية ، يعني هي تتمّ في مثل وجوب الحج فإنّه مجعولٌ بداعي التحريك فيختصّ بالحج الاختياري يعني المقصود - أي الذي فيه قصد - ، وأمّا الوجوب الغيري الذي هو محلّ كلامنا فليس فيه داعي المحركية غير داعي المحركيّة الموجود بلحاظ الحج ، فلا يوجد داعيان داعٍ للتحريك نحو الحج وداعٍ للتحريك نحو السفر ، بل الداعي للتحريك ليس موجوداً بلحاظ الواجب الغيري ، وإذا لم يكن داعي التحريك مستقلّ فعلى هذا الأساس لا يمكن أن نقول بأن الوجوب الغيري يختص بالأمر الاختياري وبالمقدّمة المقصودة الاختيارية فإنّ الوجوب الغيري وجوبٌ تبعيٌّ وليس وجوباً نفسياً ، فإذا لم يكن داعي التحريك فيه بشكل ٍمستقلّ بل كان ضمن داعي التحريك نحو الحج فإذن هو لا يختصّ بالحصّة الاختيارية.

إذن هذا التوجيه كلّه مبنيٌّ على أنّه يوجد داعي تحريكٍ ، وفي الوجوب الغيري لا يوجد داعي التحريك بشكلٍ مستقلٍّ ، وإنما الموجود بشكلٍ مستقلٍّ نحو الواجب النفسي- أعني الحج - ، وإذا كان يوجد داعي تحريك في الوجوب الغيري فهو مندكٌّ في ذاك ولا يحرّك نحو السفر ، يعني هل يحرّك المولى تحريكين ؟ كلّا فإنه لو كان يحرّك تحركين فيحنئذٍ سوف يكون الاتيان بأحدهما يكفي ، فإذا جئت بالسفر وحده فالمولى يقبل به وأمّا من ناحية ترك الواجب النفسي فسوف يعاقبني والحال أنّ الأمر ليس كذلك فإنّ من لم يأتِ بالواجب النفسي لا يحركه المولى نحو الواجب الغيري فإنّه لا يوجد فيه داعي التحريك بنحوٍ مستقلّ غير داعي التحريك الموجود في الواجب النفسي ، فلا يختصّ متعلّق الوجوب الغيري وموضوعه بالحصّة الاختيارية - أو المقصودة بعبارة أخرى - ، فكلّ هذا البناء مبتنٍ على هذا الأصل وقد اتضح أنّ هذا الأصل باطل.

وبهذا انتهينا من المناقشات الأربع للتوجيه الثاني لرأي الشيخ الأعظم(قده) وقد اتضح أنّه لا يمكن الالتزام به.

المحتملات في مقصود الشيخ الأعظم(قده):- إنّه وقع الكلام في مقصود الشيخ الأعظم(قده) حينما ذكر أنّ قصد التوصّل معتبرٌ في الواجب الغيري ، وإنما حصل الاختلاف في تفسير مقصوده لأجل خفاء عبارته ، وهناك ثلاثة أحتمالات في مقصوده:-

الاحتمال الأوّل:- ما أشرنا إليه سابقاً ، وهو أنّ قصد التوصل إلى ذي المقدّمة معتبرٌ لا في وجوب المقدّمة بل في الواجب الغيري ، يعني هو قيدٌ للواجب وليس قيداً للوجوب الغيري ، وذكرنا له توجيهين وناقشناهما.

الاحتمال الثاني:- أنّ يكون مقصوده هو أنّ قصد التوصّل إلى ذي المقدّمة هو معتبرٌ في تحقّق الامتثال وليس معتبراً في تحقّق ذات الواجب ، فذات الواجب الغيري تتحقّق من دون قصد التوصّل وإنما قصد التوصّل إلى ذي المقدّمة معتبرٌ في تحقّق امتثال الوجوب الغيري.

وقد تسأل وتقول:- كيف تتحقّق ذات الواجب ولكن الامتثال لا يكون متحقّقاً فهل يمكن تصوّر هذا وهل يحدث ؟

الجواب:- نعم ، كما هو الحال في كلّ الواجبات التوصلّية ، مثل غسل الثوب المتنجّس لأجل الصلاة ، فتارةً أغسل الثوب ونيتي هي لأجل الصلاة فالمولى يريد الصلاة في الثوب الطاهر ، ففي مثل هذه الحالة أكون قد حقّقت الواجب وكنت ممتثلاً وربما يعطيني المولى زيادةً في الثواب لأني أتيت بغسل الثوب بقصد امتثال أمر الصلاة ، فهنا أتيت بذات الواجب وأتيت بامتثاله.

أمّا إذا فرض أني غسلت ثوبي لداعٍ آخر - كالنظافة - لا لأجل الصلاة بل كنت غافلاً عن الصلاة بالكلية ، فهنا حقّقت ذات الواجب لأنّ الثوب أصبح طاهراً ولكن لا يوجد امتثالٌ للواجب الغيري لأنّي لم أأتِ بغسل الثوب لأجل الصلاة وإنما أتيت به لأجل أنّي أحب النظافة بما هي نظافة مثلاً.

وجميع الواجبات التوصلّية من هذا القبيل ، فمن أتى بها بلا قصد التوصّل بها إلى ذي المقدّمة فقد سقط الوجوب الغيري - تحقّق ذات الواجب - ولكن الامتثال لم يتحقّق ، والامتثال إنما يتحقّق إذا أُتي بالمقدّمة بداعي امتثال ذي المقدّمة ، فنقول هنا إنّ مقصود الشيخ الأعظم(قده) هو أنّ قصد التوصّل معتبرٌ في مرحلة الامتثال.

أمّا توجيهه الفنّي فهو أن يقال:- إنّ الوجوب الغيري ليس له امتثالٌ وعصيانٌ مستقلٌّ عن امتثال وعصيان ذي المقدّمة ، وإنما امتثاله وعصيانة بلحاظ عصيان وامتثال ذي المقدّمة بسبب أنّه لا توجد مصلحة وإرادة خاصّة للوجوب الغيري بما هو وإنما الإرادة ثابتة للواجب النفسي - كالحج - أمّا المقدّمات فلا مصلحة ولا إرادة مستقلّة فيها وإنما مصلحتها وإرادتها ناشئة من مصلحة الحج وإرادته ، فامتثال وعصيان للمقدّمة بقطع النظر عن امتثال وعصيان ذي المقدّمة ليس موجوداً ، فإذا أردت أن أن تمتثل الأمر بالمقدّمة فكيف تمتثله ؟ إنّه من خلال امتثال ذي المقدّمة ، وكيف تمتثل المقدّمة ؟ بأن تقصد التوصّل ، يعني أنك تأتي بالمقدّمة بقصد التوصّل إلى ذي المقدّمة ، فصار قصد التوصّل معتبراً في مرحلة امتثال الوجوب الغيري والأمر الغيري وليس معتبراً في ذات الواجب أو في ذات الوجوب الغيري.

وإذا كان هذا هو المقصود للشيخ الأعظم(قده) فهو وجيهٌ ومقبول لما أشرت إليه.