الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

36/04/04

بسم الله الرحمن الرحیم

الموضوع:-  مراحل الحكم - مباحث الحكم.
هذا ويمكن أن يقال:- إنّ الجواب المذكور وإن حصل به التخلّص من مشكلةٍ ولكن سوف نقع في مشكلةٍ أخرى وهي أنّه حينما يصدر الفعل عن إرادةٍ من مكلّفٍ نسأل هل أنّ هذه الإرادة من الأمور الممكنة أو من الأمور الواجبة - أي هل هي موجودٌ ممكنٌ أو هي موجودٌ واجب - ؟ إنّها ممكنة وإذا كانت ممكنة فهي تحتاج إلى علّة وليست تلك العلّة إلا الإرادة الإلهيّة فانتهت إرادة المكلف إلى إرادة الله عزّ وجلّ وبذلك عادت المشكلة من جديد، فأنا أردت أن أفعل هذا لأنّ إرادتي نشأت من إرادة الله عز وجل لأنها ممكنٌ وكلّ ممكنٍ يحتاج إلى علّة ولا علّة إلا الإرادة الإلهيّة فلزم الإشكال، فما هو الجواب ؟
أجاب الفلاسفة وتبعهم صاحب الكفاية(قده)[1]:- بأنّه ماذا يلزم من إشكالٍ لو كانت الإرادة ناشئة من الإرادة الإلهية ؟! إنّه  لا يلزم إلا أنّه كيف يعاقبنا الله عزّ وجلّ على شرب الخمر مثلاً مادامت إرادتي منتهية إلى إرادته ونحن نقول إنَّ الثواب والعقاب ليس من باب الاستحقاق بل من باب أنّهما من اللوازم الذاتيّة للإطاعة والعصيان، فاللازم الذاتي للإطاعة لازمٌ لا ينفكّ وهو الثواب واللازم الذاتي للعصيان هو العقاب فالثواب والعقاب ليس من باب الاستحقاق بل من باب أنهما لازمان ذاتيّان للإطاعة والعصيان، وهما من الوازم إرادة المكلف فمن لوازم إرادته السيئة العصيان ومن لوازم إرادته الحسنة الطاعة فالطاعة والعصيان من اللوازم الذاتية لإرادة المكلّف والإرادة من اللوازم الذاتية لشقاوة الشخص وسعادته فالسعيد يريد الصلاة والشقي يريد شرب الخمر والنار، فإذن الإرادة ناشئة من الشقاوة الذاتيّة أو من السعادة الذاتيّة، والشقاوة والسعادة من أين هما ناشئان ؟ إنّهما ذاتيّان ولا يحتاجان إلى علّة موجدةٍ غير العلة الموجدة للذات كالأربعة والزوجيّة فالزوجيّة من اللوازم الذاتيّة للأربعة والذي يحتاج إلى علّة هو الأربعة فوجود الأربعة يحتاج إلى علّة أمّا وجود الزوجية فهو ذاتيٌّ للأربعة ومادام ذاتيّاً فالذاتي لا يعلّل - يعني لا يحتاج إلى علّة مغايرة للعلّة الموجدة للذات -، فإذن الله عزّ وجلّ أوجد ذات الشقي وذات السعيد ولم يوجد الشقاوة لأنّ الشقاوة ذاتيّة للذات ولا السعادة وبالتالي ينقطع السؤال وهو أنّه لم صار السعيد سعيداً والشقيّ شقيّاً ؟ فإنّ هذا السؤال أشبه بسؤال لِمَ صارت الأربعة زوجاً ؟ إنّها من اللوازم الذاتيّة ولا تحتاج إلى علّة أخرى غير العلّة الموجدة للذات وهنا أيضاً كذلك فالشقاوة والسعادة لا تحتاج إلا إلى العلّة الموجدة للذات، وليس من حقّ الشقي أن يعترض على الله ويقول يا رب لم جعلتني شقيّاً ؟ فيجيبه ويقول:- أنا أوجدتك ولم أوجد الشقاوة لك فإنّ الشقاوة ذاتيّة لك . إذن العقاب يكون من ناحية أنّه ذاتيٌّ للإطاعة التي هي لازمٌ ذاتيّ للإرادة والتي هي لازمٌ ذاتي للشقاوة والتي هي لازمٌ ذاتي للذات فالعقاب إذن صار أمراً ذاتيّاً لا يقبل الانفكاك عن ذات الشقي فارتفع الإشكال فالثواب والعقاب من هذا الباب.
وتوجد عبارة لصدر المتألهين في الأسفار[2] تتناغم مع ما نقلناه حيث قال:- ( وأمّا الثواب والعقاب فهما من لوازم الأفعال الواقعة بالقضاء فإنّ الأغذية الرديئة كما أنها أسبابٌ للأمراض الجسمانيّة كذلك العقائد الفاسدة والأعمال الباطلة أسبابٌ للأمراض النفسانيّة وكذلك في جانب العقاب ).
وبالجملة:- كما أن البذر الجيّد يخرج نباته طيباً والرديء لا يخرج إلا رديئاً فإنّ هذا من اللوازم الذاتيّة فهنا هذا العاصي هو شقيّ شقاوة ذاتيّة فحينئذٍ تعطي نتائج رديئة وأحد هذه النتائج هي الإرادة والإرادة أيضاً تسبّب لنا العصيان والعصيان يسبب لنا العقاب فكلّ هذه لوازم لا أنّها ثابتة بالاستحقاق حتى يشكل العاصي ويقول يا رب لمَ تعاقبني ؟ فإنّ الجواب يأتي بأنّ العقاب ليس من باب الاستحقاق بل من باب أنّ ذاتك خبيثة أوجبت الإرادة السيئة والإرادة السيئة أو جبت العصيان والعصيان أوجب العقوبة وكلّ هذه لوازم، وبالتالي لا يحق للشقي أن يقول يا رب لمَ جعلتني شقيّاً ؟ فإن الجواب الإلهي يأتي ويقول أنّي لم أجعلك شقيّاً وإنما أوجدت ذاتك لا أكثر كما أوجدت ذات الأربعة لا أنّ الزوجية جعلتها بجعلٍ آخر غير جعل الأربعة.
والإشكال عليه واضحٌ:- فإنّ هذا منافٍ للنصوص الواضحة في مسألة الشفاعة والمغفرة والعفو الإلهي فإنه بناءً على هذا سوف لا توجد شفاعة من قبل الأئمة عليهم السلام لأنّ العقاب صار لازماً ذاتياً للعاصي وهل يمكن أن يشفع الإمام في زوال الزوجيّة عن الأربعة ؟! إنّه غير ممكن لأنها لازمٌ ذاتيّ، والله تعالى أيضاً لا يستطيع أن يغفر لنا، إنّه بناءً على هذا الكلام لا الشفاعة ممكنة ولا العفو الإلهي يحصل فإنّه إذا كانت العقوبة والمثوبة من باب اللازم الذاتي فسوف يترتب هذا المعنى . إذن هذه الفكرة باطلة جزماً ومخالفة لضروريات الدين الثابتة عندنا.
هذا مضافاً إلى أنّ الإشكال يبقى يعني أنّ الشقي يمكن أن يشكل ويقول يا رب لمَ جعلتني شقيّاً ؟ فيأتي الجواب:- إنّي لم أجعلك شقيّاً وإنما أوجدت ذاتك، فيشكل الشقي من جديد ويقول:- لمَ أوجدتني مادمت تعلم أن ذاتي شقيّة فقد أوجدت شقاوتي وخلقتها بالتبع ؟ من قبيل الزوجية إذا كان الشخص يكره الزوجية ويحب الفردية فأنا إذا أوجدت أربع برتقالات فهو سوف يتأذّى وهل ينفع أن أقول له أنا أوجدت أربع برتقالات ولم أوجد الزوجية ؟! فيقول صحيحٌ أنّك ابتداءً لم توجد الزوجيّة ولكن قد أوجدتها بالتبع فمن أوجد الذات فقد أوجد لوازمها الذاتية بالتبع فأوجدت شقاوتي وأوجدت الزوجية فعاد الإشكال من جديد لهذا الشقي وهو إشكالٌ وارد.
إذن الجواب المذكور قابلٌ للإشكال بما أشرنا إليه.


[1]  كفاية الاصول، الآخوند الخراساني، ص68 وهذا موردٌ ثانٍ مشى فيه صاحب الكفاية (قده) مع الفلاسفة وتأثر بهم.
[2]  الحكمة المتعالية، صدر المتألهين، ج6، ص386.