الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

36/03/01

بسم الله الرحمن الرحیم

الموضوع:- تنبيهات الأخبار العلاجية- التنبيه الخامس.
وفيه:-
أوّلاً:- إنه إذا رجعنا إلى المورد الذي استند إليه(قده) - أعني المقيس عليه أو المشبه به - وهو مثال الخاصيّن مع العام وأقصد من الخاصيّن يعني صحيحة أبي بصير التي تقول ( كلّ شيءٍ يطير فلا بأس ببوله وخرؤه ) مع الرواية التي تقول ( اغسل ثوبك من ابوال ما لا يؤكل لحمه ) فالمشهور قال بأنهما يتساقطان ونرجع إلى الاطلاق أو العموم وهو ( الثوب يصيبه البول، قال:- اغسله مرتين ) ، إنّ السيد الشهيد(قده) قد جعل هذا مدركاً ومستنداً في الردّ والنقض على المشهور وقال إنّ المشهور في هذا المثال لم يجعلوا المعارضة ثلاثيّة الأطراف يعني لم يدخلوا العام في المعارضة لأنه ذو القرينة فيلزم تسريت هذه النكتة إلى مورد الروايات ذوات الرتبة المختلفة.
ونحن نذهب إلى مورد النقض هذا - أي المقيس عليه أو المشبه به - ونقول:- إنّه لو لاحظناه وجدنا فيه خصوصيّتين والخصوصيّة الأولى هي التي أبرزها السيد الشهيد(قده) أعني أنّ الخاص قرينة على العام وذو القرينة لا يعارض القرينة، وهناك خصوصيّة ثانية لم يسلّط الأضواء عليها وهي أنّه لو لا حظنا هذه الأدلة الثلاثة لم نرَ أنّ الدائرة واحدة بل إنّ دائرة العام أوسع من دائرة الخاصيّن فسعة الدائرة مختلفة -هذه خصوصية موجودة وهي عدم تساوي سعة دائرة الروايات - وحينئذٍ نقول إذا كانت النكتة التي استند إليها الفقهاء في حصر المعارضة بالخاصّين من دون إدخال العام في الحساب هي الخصوصية الأولى - أعني أنّ الخاص بمثابة القرينة والعام بمثابة ذي القرينة -  فما ذكره السيد الشهيد وجيهٌ وصحيح إذ يقال في تلك الروايات التي رتبتها مختلفة بأنّ الطائفة الثانية بمثابة ذي القرينة فلا يدخل في المعارضة مع القرينة - أعني الطائفة الأولى - وما ذكره يكون تامّاً . أمّا إذا فرض أنّ النكتة  التي استند إليها الفقهاء هي الخصوصيّة الثانية أو مجموع الخصوصيتين فما أفاده السيد الشهيد لا يتمّ، فإنّه لو رجعنا إلى الروايات ذوات الرتبة المختلفة لا نجد الخصوصيّة الثانية متوفّرة فإنّ الخصوصيّة الثانية كانت هي عدم تساوي سعة دائرة الروايات، إنّه نجد فيها -– أي في هذه الروايات ذاوات الرتبة المختلفة - أنّ الدائرة واحدة، فكلّ الروايات هي ناظرة إلى الخمر، فالدائرة دائرةٌ واحدةٌ وهي دائرة الخمر لا أن البعض أعمّ والآخر أخصّ بل هناك تساوٍ في الدائرة، والمناسب في مثل هذه الحالة تساقط الجميع لأنّ شرط تساقط القرينة فقط من هذا الجانب ومن ذلك الجانب هو اختلاف الدائرة وحيث إنّ المفروض أنّ الدائرة في الروايات ذوات الرتب المختلفة دائرة واحدة فيدخل الجميع في المعارضة آنذاك ولا تختصّ المعارضة بالقرينة من هذا الجانب والقرينة من ذاك الجانب من دون أن يدخل ذو القرينة في مجال المعارضة، كلّا بل ذو القرينة يدخل في مجال المعارضة لفرض أنّ الدائرة واحدة فدائرة سعة الروايات واحدة وليست مختلفة.
إن قلت:- كيف تثبت أنّ الفقهاء استندوا إلى هذه الخصوصيّة دون تلك الخصوصيّة الأولى التي نبّه عليها السيد الشهيد(قده)، فلعلّ المستند لهم خصوص الخصوصيّة الأولى حصراً فكيف تثبت أن الخصوصيّة الثانية لها مدخليّة ؟
قلت:- إنّ ما تحقّق منهم هو عملٌ وفعلٌ والعمل عادةً يكون  مجملاً من حيث النكتة والوجه، فهم لم يصرّحوا بأنّ النكتة في اختصاص المعارضة بالخاصّين هي أنّ العام هو ذو القرينة وذو القرينة لا يدخل مع القرينة في المعارضة بل سكتوا وما صدر منهم هو عملٌ فقط، فكما يحتمل أن تكون النكتة هي تلك الخصوصيّة التي أشار إليها السيد الشهيد يحتمل أن تكون النكتة هي الخصوصية التي أشرنا إليها ويكفينا الاحتمال في دفع الإشكال عنهم.
إن قلت:- إنّ الخصوصيّة التي أشار إليها السيد الشهيد من المناسب أن تكون نكتةً لاختصاص المعارضة بالخاصّين باعتبار أنّ الخاص قرينة والعام ذو القرينة وذو القرينة لا يعارض القرينة، إنّه كلامٌ متينٌ وجميلٌ فالخصوصيّة التي ذكرها(قده) تصلح أن تكون نكتة لعمل المشهور، وأمّا ما أشرنا إليه في الخصوصيّة الثانية فلا يصلح أن يكون نكتةً لعمل المشهور . إذن نحن أبرزنا خصوصيّة هي أشبه بضمّ الحجر إلى جنب الانسان . وبكلمة أخرى:- أنه لابد من إبراز خصوصيّاتٍ من المحتمل أن تكون نكتةً لا أن نبرز خصوصيّةً كيفما اتفق.
قلت:- إنّ الدائرة إذا كانت واحدة فتصلح هذه أن تكون خصوصيّة لتحقّق التعارض بين الجميع باعتبار أنّ الدائرة متى ما تساوت فالمعارضة تصير أقوى بنظر العرف، فحينما قالت إحدى الروايتين مثلاً:- ( كلّ شيءٍ يطير فلا بأس ببوله ) والثانية قالت:- ( اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه )، إنّ نظرهما إلى مادة المعارضة بدرجةٍ واحدةٍ ووحدة هذه الدرجة تجعل المعارضة بينهما واضحة، وهذا بخلاف العام فإن المفروض أن دائرته أوسع فلا يكون شموله لمادّة المعارضة كشمول الخاصّين.
إذن الخاصان نظرهما إلى مادّة المعارضة بنحو التساوي وكأن أحدهما يضرب الآخر فتتحقّق المعارضة، بخلافه في العام فإنّه لحيثية سعته وعمومه لا يكون شموله لمادّة المعارضة كشمول هذين، ففي مثل ذلك من المناسب أنه يمكن أن يُخرِج العرفُ العامَّ عن المعارضة . إذن متى ما تساوت دائرة الأدلة ولم يكن بعضها أو سع من البعض الآخر - كما هو الحال في مثال روايات الخمر فإن الدائرة واحدة فالجميع يكون ناظراً إلى الخمر بدرجة واحدة متساوية - فتتحقّق المعارضة بين الجميع من دون حاجة إلى إخراج بعضٍ من ساحة المعارضة.
إن قلت:- إنّ هذه الخصوصيّة الثانية وإن كانت موجودةً - أعني في مثال الخاصين مع العام حيث إن الخاصين أضيق دائرة من العام والمقصود من كونهما أضيق يعني بلحاظ مادّة المعارضة - فإنّ هذا صحيحٌ ولكنّ ضيق دائرة الخاصّين إنّما أوجبت أن تتحقق المعارضة بينهما من باب أنّ الدائرة إذا كانت ضيّقة مع فرض تساويهما فدلالتهما - أي دلالة الخاصين - بالنسبة إلى مادّة المعارضة والاجتماع سوف تصير أقوى إذ المفروض أنّ دائرة الخاص أضيق فتصير الدلالة على مادّة المعارضة أقوى بخلاف العام فإنّ دائرته حيث أنها أوسع فتصر الدلالة أضعف، وعلى هذا الأساس المدار ليس على ضيق دائرة الخاصّين وتساويهما بما هو كذلك بل لأجل أنّ هذا الضيق يوجب قوّة الدلالة، وحيث أنّ قوّة الدلالة قرينة وضعف الدلالة في العام هو ذو القرينة فاختصّ التعارض بالخاصّين من باب أنّهما قرينة وذاك العام هو ذو القرينة والقرينة لا تعارض ذا القرينة فبالتالي عادت الخصوصيّة الثانية إلى الخصوصيّة الأولى.
إذن الخصوصية الثانية وإن كانت شكلاً وظاهراً هي ثابتة وإنما روحاً إنما صار لها دور باعتبار أنّ ضيق الدلالة في الخاصّين أوجب قوّة الدلالة، فكل خاصّ بالنسبة إلى مادّة الاجتماع تصير دلالته أقوى فيصير الخاصّان بمثابة القرينة والعام حيث إنّ دلالته أضعف فيصير بمثابة ذي القرينة والقرينة لا تعارض ذا القرينة . إذن عاد الأمر إلى ما أفاده السيد الشهيد(قده).