الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

34/08/20

بسم الله الرحمن الرحیم

 الموضوع:- تنبيهات ( التنبيه الثاني:- وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة ) / الاستصحـاب / الأصول العملية.
 وبعد إيضاح هذه الصور الثلاث نقول في بيان حكمها:-
 أما الصورة الأولى [1] :- فقد ذكرنا سابقاً أن الشك في بقاء زيدٍ وعدمه لا يؤثر على وحدة الموضوع فإن موضوع العدالة بالتالي هو زيد سواء كان حياًّ أم ميّتاً فإن الوحدة متحققة وبالتالي لا يكون الشك في بقاء العدالة ناشئاً من الشك في الموضوع . نعم من جعل الصياغة هي اشتراط بقاء الموضوع يأتي هذا الوهم بناءً على صياغته ويكون هذا المثال مثالاً صحيحاً أما إذا جعلنا المدار على الوحدة وليس على البقاء فهذا المثال وما شاكله باطل . إذن هذه الصورة لا يوجد لها مثال وإنما هي مبنيّة على تصوّر أن الصيغة لهذا الشرط هو بقاء الموضوع خارجاً أما إذا اعتبرنا الوحدة دون عنوان البقاء فهذه الصورة لابد من حذفها من الحساب.
 ولكن رغم هذا لا بأس بالتحدث عن حكمها:- يعني نقول وبكلمة أخرى هل يجري الاستصحاب في العدالة وفي الحياة أو في العدالة دون الحياة ؟ إن تحقيق هذه القضيّة شيء جيد.
 وفي هذا المجال نقول:- تارةً يفترض أن الأثر مترتب على بقاء العدالة وأما الحياة فلا مدخلية لها في ذلك الأثر كما لو كنت أريد تقليده إما بقاءً أو حدوثاً - بناءً على جواز تقليد الميت ابتداءً - فإن الأثر في مثل هذه الحالة مترتب على بقاء العدالة سواء كان زيدٌ حيّاً أو ليس بحيٍّ وأخرى يكون الأثر مترتباً على العدالة وعلى الحياة معاً كما إذا أردت الاقتداء به فهو واقف أمام الجماعة وأنا لا أدري هو الآن عادل أو ليس بعادلٍ وهو هو حيٌّ أو ليس بحيٍّ ففي مثل هذه الحالة يكون الأثر مترتباً - يعني جواز الاقتداء به ولو بقاءً - على العدالة وعلى الحياة وليس على العدالة فقط ، فإذا فرض الأول - يعني كان الأثر مترتباً على العدالة فقط والحياة ليست لها مدخلية - فنستصحب العدالة فقط ونغض النظر عن الحياة فنقول كان هذا عادلاً جزماً ونشك الآن في بقائه على العدالة فنستصحب بقاءها ، وأما على الثاني - يعني إذا كان الأثر مترتباً على العدالة وعلى الحياة معاً - فبالإمكان إجراء الاستصحاب في الاثنين معاً - يعني نجري استصحابين استصحاباً في العدالة واستصحاباً آخر في الحياة - ولا مشكلة في ذلك شريطة أن يكون الموضوع قد أخذ بنحو التركيب دون التقييد بيد أن هذه قضية أخرى فلو كان الموضوع مركّباً من جزأين - يعني أن جواز الاقتداء كان مترتباً على العدالة وعلى الحياة - فمتى ما تحققا في زمانٍ واحدٍ كفى في جواز الاقتداء فهنا يكون الموضوع ملحوظاً بنحو التركيب من جزأين فيجري هذان الاستصحابان ، وهذا بخلاف ما إذا أخذ بنحو التقييد - يعني كان الموضوع هو العادل مقيّد بالحياة أو الحيّ المقيّد بالعدالة - فإن إجراء هذين الاستصحابين لا يثبت عنوان التقييد والمقيّد إلا بنحو الأصل المثبت وهذا مطلبٌ واضح.
 وأما الصورة الثانية [2] :- فالمناسب ما هو ؟ فهل نجري الاستصحاب في النجاسة أو في التغيّر أو في الاثنين بنحو التخيير أو بنحو الجمع فما هو المناسب ؟ المناسب في هذه الصورة إجراء الاستصحاب في الموضوع ، يعني نقول إن التغيّر الفعلي كان ثابتاً سابقاً والآن نشك في بقائه وبالاستصحاب يثبت بقاءه من دون أن تصل النوبة إلى استصحاب الحكم فإن الشارع إذا حكم ببقاء الموضوع فهو قد حكم بالتبع ببقاء حكمه إذ لا معنى للحكم والتعبّد ببقاء الموضوع من دون تعبّدٍ ببقاء أثره الشرعي ، فالتعبد إذن ببقاء الموضوع تعبّدٌ ببقاء الحكم وبالتالي لا حاجة إلى استصحاب الحكم إذ يكفينا استصحاب بقاء الموضوع .
 ولكن قد تسال وتقول:- هذا جيّدٌ ولكن من النظرة الصناعية الفنية هل يمكن أن نجري الاستصحاب في النجاسة فقط أو نجريه فيها أيضاً مضافاً إلى جريانه في الموضوع فهل يمكن هذا صناعياً أو لا ؟
 وجوابه:- أما استصحاب الحكم وحده من دون استصحاب الموضوع فالمناسب عدم جوازه إذ استصحاب النجاسة فرع بقاء الموضوع وقد فرضنا أن الموضوع هو الماء المتغيّر بمعنى أن التغيّر له المدخليّة فهو الموضوع فعلى هذا الأساس حيث لا نحرز بقاء التغيّر فلا نحرز وحدة القضيتين حتى يجري الاستصحاب . نعم سوف يأتينا انشاء الله تعالى - عند التحدث في كون المدار في وحدة الموضوع هل هو على الوحدة الدقيّة أو العرفية سوف - أن المدار على الوحدة العرفيّة والعرف يرى أن موضوع النجاسة هو الماء دون التغيّر ودون الماء المتغيّر فإن التغيّر لا يصلح أن يكون في النظر العرف موضوعاً للنجاسة بل الموضوع هو الماء والتغيّر حيثية تعليليّة لا تقييديّة فيمكن آنذاك أن نشير إلى ذات الماء ونقول إن ذات هذا الماء كان نجساً والآن هو نجس ، إنه بناءً على النظرة العرفيّة فنعم يمكن وأما بناءً على النظرة الدقيّة فلا يمكن وحيث إن المدار على النظرة العرفيّة فلا بأس بجريان الاستصحاب.
 وأما إذا أردنا أن نجري استصحاب الحكم واستصحاب الموضوع معاً فقد ذهب المشهور إلى أنه لا يجوز فإن الاستصحاب الموضوعي سببيٌّ ومع جريان الأصل السببي لا تصل النوبة إلى الأصل المسبّبي . نعم إذا فرض أنه قبلنا ذلك فقط وفقط في الأصلين المتخالفين ورفضناه في الأصلين المتوافقين فهنا حيث إن الأصلين متوافقان بحسب النتيجة إذ كلاهما يثبت النجاسة فلا محذور في جريانهما معاً بناءً على هذا المبنى . إذن جواب هذا السؤال يرتبط بالمبنى.
 وأما الصورة الثالثة [3] :- فالمناسب في هذه الحالة على ما قيل هو عدم جريان الاستصحاب في الموضوع ولا في الحكم ، أما بالنسبة إلى الموضوع فلأنه ماذا نستصحب فهل نستصحب التغيّر الفعلي ؟ إنه قد زال جزماً حسب الفرض ، أو نستصحب التغيّر آناً ما ؟ إنه صادق جزماً ، أو نستصحب بقاء عنوان الموضوع من دون تشخيص واقع ذلك الموضوع وأنه التغيّر الفعلي أو هو التغيّر آنا ما بل هكذا نقول:- ( إن الموضوع للنجاسة كان ثابتاً سابقاً والآن هو ثابت بالاستصحاب ) ؟
 وجوابه:- إن عنوان الموضوع ليس محطاً للأثر فإن محطّ الأثر هو الموضوع بالحمل الشايع - يعني واقع الموضوع ومصداقه الذي هو إما التغيّر الفعلي أو التغيّر آنا ما أما عنوان الموضوع ومفهوم الموضوع فهو ليس محلاً للأثر حتى يجري الاستصحاب فيه - إذن الاستصحاب في الموضوع لا يجري . وأما بالنسبة إلى الحكم فأيضاً لا يجري باعتبار أن استصحاب الحكم فرع إحراز وحدة الموضوع ونحن لا نحرز أن الموضوع متحقق الآن وأنه واحدٌ الآن إذ لعل الموضوع هو التغيّر الفعلي وهو ليس بثابتٍ الآن فكيف نستصحب الحكم بعد عدم إحراز وحدة الموضوع ، هكذا قد يقال.
 ولكن يرد عليه:- إن هذا وجيه إذا كان المدار في وحدة الموضوع على النظرة الدقيّة أما إذا كان المدار على الوحدة العرفيّة وكان المدار في تشخيص الموضوع على العرف فنقول إن العرف يرى أن الموضوع هو الماء وليس التغيّر فإن التغيّر لا يصلح أن يكون موضوعاً للنجاسة بل الموضوع هو الماء فنشير إلى الماء ونقول:- هذا الماء كان نجساً أوّلاً والآن نشك في نجاسته فيجري استصحاب بقاء النجاسة.


[1] أعني مثل عدالة زيد.
[2] أعني ما لو شك في بقاء النجاسة للشك في بقاء التغير الفعلي فإنا فرضا أن الموضوع هو التغير الفعلي ولا تردّد في الموضوع ولكن لا ندري أن هذا متغير بالفعل أو لا.
[3] وهي أن نشك في بقاء النجاسة ومنشأ الشك هو أن موضوع النجاسة هو التغيّر الفعلي أو التغير آناً ما ، فإن كان هو التغير آناً ما فهو قد حصل وإن كان هو التغيّر الفعلي فهو قد زال.