الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

33/03/21

بسم الله الرحمن الرحیم

 الموضوع / التنبيه الخامس ( حكم ملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة ) / تنبيهات / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 ورابعاً:- انه بناءً على اختصاص المعارضة بالأصول ذوات الرتبة الواحدة يلزم قبول الشبهة الحيدرية وورودها على الشيخ الأعظم وأصحاب هذا الاتجاه ، والشبهة الحيدرية هي نسبةٌ إلى السيد حيدر الصدر(قده) والد سيدنا السيد الشهيد(قده) فانه كان معروفاً بالفضل والذهن الوقّاد أيضاً وقد أشار إلى هذه الشبهة ونسبها إليه الشيخ العرقي(قده) [1] وحاصلها:- انه في المثال المتقدم - أعني مثال الإناءين الذين نعلم بنجاسة أحدهما أنه يدخل في المعارضة الأصلان اللذان رتبتهما واحدة - أعني أصل الطهارة في الإناء الاول وأصل الطهارة في الإناء الثاني ولا يدخل أصل الطهارة في الشيء الثالث - أي الملاقي - لأن رتبته متأخرة لفرض أن الشك فيه شك مسبَّبي عن الشك في طهارة ونجاسة الأول فيسقط ذانك الأصلان كما أفاد الشيخ الأعظم(قده) ثم بعد ذلك تصل النوبة إلى الأصول بالدرجة الثانية - أي التي رتبتها رتبة ثانية - وهي ليست خصوص أصل الطهارة في الشيء الثالث بل هناك أصلان آخران يساويانه في الرتبة وهما أصل الحلّية في الإناء الأول وأصل الحلّية في الإناء الثاني فان أصل الحلّية أصل مسبَّبي - يعني إنما نشك في حليّة وجواز الشرب من جهة الشك في الطهارة - فمع جريان أصل الطهارة لا تصل النوبة إلى أصل الحليّة أما إذا سقط أصل الطهارة بالمعارضة حسب الفرض فلا محذور آنذاك في جريان أصل الحليّة في الإناء الأول والإناء الثاني وتحصل معارضة ثلاثية الأطراف بين هذين الأصلين - أي أصل الحلية في الأول وأصل الحليّة في الثاني مع أصل الطهارة في الملاقي الذي هو الشيء الثالث فان رتبته أيضاً رتبة متأخرة وثانية ومتأخرة عن أصل الطهارة في الإناء الأول - فرُتَب هذه الأصول الثلاثة واحدة ونحن نعلم بكذب بعضها ولا يمكن أن يكون الجميع صادقاً كما هو واضح فتسقط جميعاً بالمعارضة الثانية . ففي المعارضة الأولى سقط أصلا الطهارة في الإناء الأول والثاني فإنهما في رتبة ثانية ، وفي المعارضة الثانية تسقط أصول ثلاثة هي في رتبة واحدة وهي أصل الحلية في الإناء الأول والثاني وأصل الطهارة في الشيء الثالث وبعد ذلك تصل النوبة إلى أصل الحليّة في الشيء الثالث فان رتبته متأخرة عن أصل الطهارة في الثاني إذ بينهما حكومة وسببية ومسببية فالشك في حليّة الشيء الثالث مُسبَّب عن الشك في طهارته وحيث قد فرض أصل الطهارة في الشيء الثالث فلا يعود مانع من التمسك بأصل الحليّة فيه وبذلك تكون النتيجة هي جواز الشرب لأصل الحليّة - فيما إذا كان من الأشياء القابلة لشرب - لأصل الحليّة ولكن لا يجوز الوضوء به فان جواز الوضوء مشروط بأن يكون بالطاهر والمفروض أن أصل الطهارة قد سقط فتصير النتيجة هي أن الشيء الثالث يجوز شربه تكليفاً ولكن لا يجوز الوضوء به ، وهذه نتيجة غريبة لا يلتزم بها الفقيه وقد وصلنا إليها بسبب ما ذكره الشيخ الأعظم(قده) من أن المعارضة لا يدخل فيها الا الأصول ذوات الرتبة الواحدة فيتسجل هذا كإشكال على الشيخ الأعظم(قده).
 والخلاصة:- الإشكال الرابع الذي نسجله على ما ذكره الشيخ الأعظم(قده) هو أن لازم ما ذكره من اختصاص المعارضة بالأصول ذوات الرتبة الواحدة ورود الشبهة الحيدرية التي نتيجتها أن الشيء الثالث يجوز شربه تكليفاً ولا يصح الوضوء به إذ أن أصلا الطهارة في الإناءين الأوَّلين قد سقطا بالمعارضة الأولى لوحدة رتبتهما ويأتي دور المعارضة الثانية ويدخل فيها الأصول ذوات الرتبة الواحدة وهي ثلاثة أصل الحليّة في الأول وأصل الحليّة في الثاني وأصل الطهارة في الثالث وهذه الأصول كلها رتبها رتبة واحدة فالشك فيها مُسبَّبي والأصل فيها أصل مُسبَّبي فالجامع المشترك بينها هو أن الأصل مسببي فيسقط الجميع بالمعارضة وهي المعارضة الثانية وبعد ذلك يبقى المجال لأصل الحليّة في الشيء الثالث والذي هو أصل مسببي وبذلك يثبت ما قلناه . وبهذا ننهي حديثنا عن التقريب الأول من تقريبات تلك القضية.
 التقريب الثاني:- أن يقال ان وجوده الأصل في الشيء الثالث - أي الملاقي - هو في طول سقوط الأصل في الطرف الأول - أي الملاقى - وهذا معناه أن الأصل الثالث متأخر رتبة عن الأصل الأول.
 ثم نقول:- ان سقوط الأصل الأول هو في رتبة سقوط الأصل الثاني فان هذين الأصلين هما في رتبة واحدة وسقوطهما أيضاً هو في رتبة واحدة وهذا مطلب واضح أيضاً.
 ثم نقول:- إذا سلّمنا بالمطلب الأول - أي أن جريان الأصل الثالث هو في طول سقوط الأصل الأول - وسلمنا أن سقوط الأصل الأول هو في رتبة سقوط الأصل الثاني فسوف يكون وجود الأصل الثالث وجريانه في طول سقوط الأصل الثاني.
 إذن لابد وأن يسقط الأصل الثاني وبعد سقوطه تلج الحياة في الأصل الثالث ومعه كيف يصير الأصل الثالث معارضاً بالأصل الثاني ؟ فانّا قد فرضنا فيما سبق أنه يتشكل علم إجمالي ثانٍ وطرفاه هما نجاسة الثالث أو نجاسة الثاني فإذا فرضنا أن الأصلين فيهما كانا متعارضين سيصير هذا العلم الإجمالي منجزاً وبما أن الأصل في الشيء الثالث هو في طول سقوط الأصل الثاني فلا يمكن أن تقع معارضة بينهما إذ الذي يكون وجوده في طول سقوط غيره كيف تتحقق المعارضة بينه وبين ذلك الغير بعد فرض هذه الطولية ، ولعل الشيخ الأعظم(قده) في مطلبه السابق أراد الإشارة إلى هذا التقريب ، أي أنه يستعين بمسألة الرتب بهذا الشكل الدقيق ، فالأصل الثالث هو في طول سقوط الأصل الأول وسقوط الأصل الأول هو في رتبة سقوط الأصل الثاني إذن وجود الأصل الثالث هو في طول سقوط الأصل الثاني ومعه كيف تتحقق المعارضة بينهما ؟! أي مادام وجود الأصل الثالث في طول سقوط الأصل الثاني ففي رتبة وجود الأصل الثاني لا وجود للأصل الثالث حتى يعارضه ، وفي رتبة وجود الأصل الثالث لا وجود للأصل الثاني حتى يعارضه !! فلعل الشيخ الأعظم يقصد هذا.


[1] نهاية الأفكار 3 362.