الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الاصول

32/11/16

بسم الله الرحمن الرحیم

ثمرة البحث عن حقيقة العلم الإجمالي

 يظهر من الشيخ العراقي(قده)[1] أنه ربط وجوب الموافقة القطعية بحقيقة العلم الإجمالي فقال انه على بعض الآراء - كالرأي الاول - لا يثبت وجوب الموافقة القطعية ، بينما على الرأي الثاني يثبت وجوب الموافقة القطعية ، فمثلاً لو علمنا أن الواجب علينا يوم الجمعة هو إما صلاة الظهر أو صلاة الجمعة ، فان بنينا على الرأي الاول - أعني التعلق بالجامع - فالمناسب هو عدم وجوب الموافقة القطعية ، أي لا يلزم على المكلف أن يأتي بكتا الصلاتين بل يكفيه أن يأتي بواحدة لأن علمه قد تعلق بالجامع وهو يتحقق بالإتيان بإحداهما ، فما اشتغلت به الذمة يقيناً - وهو الجامع - قد تحقق يقيناً فيكفي الإتيان بأحد الفردين.

 أما لو بني على تعلقه بالواقع فيلزم الإتيان بكلا الفردين لأن الذي اشتغلت به الذمة هو الواقع فلابد من إحراز تحققه ولا يحرز ذلك إلا بالإتيان بكلتا الصلاتين.

 وهذا الذي ذكره(قده) هو الذي صار سبباً وداعياً للبحث عن حقيقة العلم الإجمالي.

وفيــه:-

أولاً:- إنا لو بنينا على تعلق العلم الإجمالي بالواقع كما ذكر(قده) فنحن نقول صحيح أن الذمة قد اشتغلت بالواقع ولكن رغم هذا لا يجب الإتيان بكلا الفردين.

 والوجه في ذلك:- هو أن العلم الإجمالي وان كان يتعلق بالواقع على مبناه - إلا أن المفروض أن الرؤية رؤية مشوبة بالخفاء وليست واضحة بأجمعها والتنجيز عقلاً إنما يثبت بمقدار جنبة الوضوح وأما بمقدار جنبة الخفاء فلا تنجيز ، وجنبة الوضوح الثابتة هي بمقدار الجامع وأما بلحاظ الخصوصية فهناك خفاء من ناحيتها ، يعني حينما أرى شخصاً من بعيد ويكون هو زيداً واقعاً ولكن مقدار الوضوح عندي هو أنه إنسان أما بمقدار كونه زيداً فذاك عندي فيه خفاء.

 وفي مقامنا نقول ذلك أيضاً فحينما أعلم بوجوب إما الظهر وإما الجمعة فمقدار جنبة الوضوح هو وجوب أصل الصلاة - أي مقدار الجامع - وأما أنها هي الظهر بالخصوص فذاك واقع تحت الخفاء والمفروض أن الشيخ العراقي(قده) يبني على أن الرؤية والعلم مشوب بالخفاء ، وعليه فالبناء على تعلق العلم الإجمالي بالواقع لا ينفعه في إثبات تنجز الواقع فان التنجز يدور مدار جنبة الوضوح وهو بمقدار الجامع وأما بمقدار الخصوصية فلا وبالتالي لا تنجز بلحاظ الخصوصية ومن ثم لا يجب الإتيان بكلا الفردين.

وثانياً:- بقطع النظر عما أوردناه أولاً يمكن أن يقال إن مسالة التنجز تدور مدار الوضوح الثابت لدى نظر المكلف واعتقاده ، فإذا كان يوجد وضوح وعلم بالواقع في نظره وأن علمه متعلق بالواقع فآنذاك يتنجز عليه الواقع ، أما إذا فرض أنه لم يكن في نظره ذلك فلا يثبت التنجز في حقه.

 أذن التنجز في حق المكلف هو فرع اعتقاده والتزامه هو وأن يتضح له أن علمه قد تعلق بالواقع فانه آنذاك يتنجز عليه الواقع وحينئذ يجب عليه الإتيان بكلا الفردين .

 وبعد هذا نقول إنا لو سلمنا للشيخ العراقي(قده) برأيه ولكن نقول ان هذه نظرة دقية لا يلتفت إليها شخص المكلف ، فالمكلف لا يعتقد أن علمه قد تعلق بالواقع ، والمهم هو قناعة المكلف فإذا قنع واتضح له أن علمه متعلق بالواقع فيتنجز عليه الواقع آنذاك ، أما ما أثبته الشيخ العراقي(قده) بالبرهان الذي ذكره - من أن العلم الإجمالي تعلق بالواقع ببيان أن المعلوم بالإجمال ينطبق على المعلوم بالتفصيل بعد اتضاحه بتمامه لا أنه ينطبق عليه بجزئه وبعضه - لا يجعل لدى المكلف وضوحاً في تعلق العلم الإجمالي بالواقع والمهم هو حصول قناعة لشخص المكلف بتعلق علمه الإجمالي بالواقع حتى يثبت عنده أن ذمته قد اشتغلت بالواقع فيلزمه آنذاك الإتيان بكلا الفردين.

والخلاصة:- إن ما أفاده الشيخ العراقي(قده) مرفوض من ناحيتين ، من ناحية أنه حتى لو آمنا بتعلق العلم الإجمالي بالواقع إلا أن مقدار الوضوح هو بلحاظ مقدار الجامع لا أكثر فلا تتنجز الخصوصية ، ومن ناحية أن التنجز فرع التفات المكلف وبما أن المكلف لا يرى أن له علماً بالواقع بل يرى أن علمه بالجامع فلا يثبت في حقه تنجز الواقع.

[1] نهاية الأفكار 3 47 ، 48 .