الأستاذ السيد عبدالکریم فضل‌الله

بحث الفقه

33/07/16

بسم الله الرحمن الرحیم

 الفقه \ كتاب النكاح \ أولياء العقد \ ولاية الأب على المجنون\
 بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبينا محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين
 الكلام في ولاية الأب على المجنون والمجنونة، ذكرنا كلام صاحب الجواهر والمستند، وأنهما نقلا الاجماع.
 ما يمكن أن يستدل به على هذه الولاية أمور:
 الدليل الأول: الإجماع، ذكر الإجماع بألفاظ متعددة مثل: محل وفاق، إجماعا، إجماعا محققا، بلا خلاف أجده. نستطيع أن نقول اتفاق، لكن هل هو اتفاق كاشف عن رأي المعصوم فيكون إجماعا في الاصطلاح أو لا هو مجرد اتفاق؟ ذكرنا في مقام التعليق على هذا الدليل أنه هناك اتفاق بلا ريب، هكذا نفهم من كلماتهم، وقلنا إذا لم تثبت ولاية الأب والجد سنذهب إلى ولاية الحاكم حينئذ، لأنه ولي من لا ولي له.
  هذا الإجماع ناقشناه كبرويا، وقلنا إن الإجماع ليس دليلا إلا إذا كشف عن رأي المعصوم، ولكن كشفه عن رأي المعصوم خرط القتاد.
  وصغرويا هذا الإجماع منقول من جهة ومدركي من جهة، خصوصا من لسان صاحب الجواهر قال: هذا الإجماع للاستصحاب، ومع وجود ما استدل به من الروايات.
 أما كونه منقولا، فهذا النقل الكثير للإجماع يؤدي إلى الاطمئنان بأن الاتفاق متحقق وليس منقولا. وذكرنا سابقا أن الإجماع المحصَّل تحصيله أكثر من صعب، من يستطيع أن يستقرئ آراء علماء الشيعة في ذلك الزمن خصوصا بعد ألف سنة وخصوصا أننا نعلم أن علماء الشيعة ليسوا فقط الشيخ المفيد، والطوسي، والعماني، وابن الجنيد، هناك العديد من العلماء فقد يكون بعضهم خرج عن هؤلاء. لذلك تحقيق الإجماع المحصَّل شبه محال. لكن نقل هؤلاء جميعا للإجماع يورث إطمئنان بأن ليس هناك مخالف ونطمئن بأن هناك اتفاق.
 الدليل الثاني: الروايات، في الوسائل ج 14 باب 9 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد ح 8 علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: ( سألته عن الرجل هل يصلح له أن يزوج ابنته بغير إذنها، قال: نعم ليس يكون للولد أمر إلا أن تكون امرأة قد دخل بها قبل ذلك، فتلك لا يجوز نكاحها إلا أن تستأمر).
  من حيث السند فالحديث من كتاب معتبر، متداول، عليه المعتمد، كتاب علي بن جعفر، كما ذكر في الكافي والوسائل وعن الصدوق.
  الكلام في المتن الذي لم يذكر فيه المجنون أو المجنونة من جهة، ولم يذكر أن الولي هو الأب من جهة أخرى فهو يقول: " إلا أن تستأمر " أو " ليس يكون للولد أمر " الولد لا أمر له، فيحتمل أن يكون الولي هو الحاكم أو الوصي، الجد أو الاب؟ الولي من هو؟ مجرد أن يكون له أب ليس معناه أن الأب هو الولي خصوصا إذا لاحظنا أن المجنون المنفصل جنونه عن البلوغ، قال الكثيرون فيه أن الولي هو الحاكم الشرعي وليس الأب، فكلمة " ولد " لا تدل على أن الأب هو الولي.
  إذن في الرواية من ناحية الدلالة ليس هناك نص أن الولي هو الأب أو الجد.
 ثانيا: أنه ليس هناك نص في شموله المجنون أو المجنونة، ولذلك في مقام الدلالة نحتاج للاستدلال إلى ثلاثة أمور:
 أولا: الإطلاق، الولد يشمل المجنون والمجنونة.
 ثانيا: عدم الفصل بين الذكر والأنثى حتى يشمل المجنون والمجنونة.
 ثالثا: انصراف الولي إلى الأب والجد.
 أما الدليل الاول: الاطلاق، ورد " ليس يكون للولد أمر إلا أن تكون امرأة دخل بها "، فهنا الولد عام يشمل الذكر والأنثى، والثيب والبكر، والبالغ والصغير، يشمل كل ما يتصور من ولد ويشمل المجنون والمجنونة، ويخرج من الإطلاق الثيب، إلا أن هذا الإطلاق فيه شائبة وهي أن السؤال كان " هل يصلح له أن يزوج ابنته بغير إذنها "، موضوع السؤال الابنة الراشدة العاقلة التي تستطيع أن تقول نعم أو لا، هي التي تستأمر، فتخرج المجنونة من السؤال، لأن السؤال عن هذا النوع من النساء وليس المجنونات، وأيضا موضوع السؤال خاص بالراشدة، والجواب عام " ليس يكون للولد ". هذا العموم هل يصلح لتخصيص السؤال؟ هل خصوصية السؤال تصلح لتقيد عموم الولد؟. نجيب هنا أن أصالة الإطلاق التي ذكرت في الأصول لا تتم ولا تجري إلا بمقدمات الحكمة، وهي: أن يكون في مقام البيان وأمكن أن يبيّن ولم يبيِّن.
  هل الرواية في بيان تمام المراد؟ " نعم ليس يكون للولد " هل الإمام (ع) في مقام بيان حكم كل أفراد الولد؟. في النفس شيء، ومع بقاء في النفس شيء ليس هناك ظهور في الإطلاق، وقلنا أن أصالة الإطلاق ليست أصالة تعبدية بما هي، بل هي من صغريات أصالة الظهور، إذا لم يكن عندي ظهور في عموم الولد فلا استطيع القول بأنه هناك أصالة إطلاق، ليس عندي لا أصالة إطلاق ولا أصالة الحقيقة تعبدا، هناك فقط أصالة ظهور، والظهور هو أنني عندما أقرأ استظهر الشمول لكل افراد الولد. إذا لاحظنا السؤال قد يقال ليس هناك عموم لكل الأفراد، فيكون الاستظهار صعبا.
  نعم هنا قد يقال: إن هذه المسألة من فروع مسألة أصولية وهي: لو شككنا أن الامام (ع) في مقام بيان تمام المراد أو لا، هل الأصل أن يكون في مقام تمام بيان المراد، حينئذ تتم مقدمات الحكمة أو لا؟ وهنا نشك هل هناك ظهور بالعموم. هل أن الإمام (ع) يريد أن يبيِّن تمام المراد وهو العموم في كل أنواع الولد؟ أو هو ليس في هذا المقام، بل في مقام بيان حكم المرأة الراشدة من حيث الولاية عليها.
 بعبارة أخرى: الإمام (ع) عندما يطلق كلاما فيه إطلاق أو عموم، هناك ثلاث حالات:
  تارة نعلم أنه في مقام بيان تمام المراد، فمع تمامية مقدمات الحكمة نستطيع أن نأخذ بالإطلاق.
 وتارة نعلم أنه ليس في مقام بيان هذه الجهة بل في مقام جهة أخرى، حينئذ لا معنى للتمسك بالإطلاق لأنه ليس هناك إطلاق سواء قلنا بأن أصالة الإطلاق حجة تعبدا أو من صغريات حجية الظهور، مثلا قوله تعالى: " فكلوا مما أمسكن عليكم " فيقال هنا أن مجرد إمساك الكلب للطريدة من دون أن نطهرها تجعل أكلها حلالا. والجواب: أن هذه الآية هي في مقام بيان حلية الأكل وعدمه وليست في مقام بيان التطهير وعدمه. ولذلك لا معنى للتمسك بإطلاق الآية لنقول أنه لا يشترط التطهير. وفي مثال آخر " حرمت عليكم أمهاتكم " بمناسبة الحكم للموضوع ينصرف الذهن إلى خصوص الوطء والنكاح وليس إلى مطلق الأمور المتعلقة بالأم كحرمة النظر أو الأكل معها.
 وتارة نشك أنه في مقام البيان أو لا؟
 إذن هناك مسألة أصولية، هل الأصل أن يكون الإمام (ع) في مقام بيان تمام المراد، لأنه إنسان مشرِّع ويعلم أننا نسمع ونستظهر. إذا كان هناك قرينة على أن جوابه عام أو فيه ظهور، فالحمد لله. وإذا كان هناك ظهور بأنه ليس عاما، فالحمد لله. أما إذا شككنا أنه يوجد ظهور في العموم أو لا؟
 قالوا باعتبار أنه مشرع فلا بد من أن يبين تمام المراد، وبعضهم قال: أنها مسألة ظهورات، هو يتكلم مع الناس وما يفهم الناس.
 لذلك نقول هذا الإطلاق عليه إشكالات ويحتاج إلى تلك المسألة الأصولية.
 أما الأمر الثاني: عدم الفصل بين الذكر والأنثى، نقول: إن وحدة المناط موجودة، لأن المسالة تدور مدار الجنون وفساد الاختيار، ولا فرق بين الذكر والأنثى في فساد الاختيار، وردت الرواية في المرأة، والمناط واحد في الولاية على المجنونة وهو فساد الرأي وهذا يشمل أيضا المجنون، فنستطيع أن نقول بعدم الفصل لأمرين:
 الأمر الأول: وحدة المناط وهو فساد الرأي.
 الأمر الثاني: عموم الولد يشمل الذكر والأنثى، لأن السؤال عن البنت، وأجاب: " ليس للولد"، واضح أن مراده ما يشمل الذكر والأنثى.
 الأمر الثالث: الانصراف، فالرواية لم تقل أن الولي هو الأب، قالت لا بد أن يكون لها ولي، لم تحدد من هو الولي، الأب، الجد، الحاكم؟
 
 ولكن نقول أن هناك انصرافا للولي، إلى الأب والجد، انصراف عرفي بأنهما الوليان.
  في الرواية قد يقال أن نفس النص " الرجل يزوج ابنته " أن الولي هو الأب أو الجد، كلمة " يزوج " كأنه هو صاحب القرار والولاية، هذا ليس دليلا، لإمكان أن يكون برضى الحاكم.
 النتيجة: أن هذه الرواية استدلوا بعموم الولدية لشمولها للمجنون والمجنونة. لكن قلنا أن هذا الشمول غير واضح ولذلك قد يقال لا نستطيع أن نلتزم بالرواية على شمولها.
 والحمد لله رب العالمين.