الأستاذ السيد عبدالکریم فضل‌الله

بحث الفقه

33/06/29

بسم الله الرحمن الرحیم

 الفقه \ كتاب النكاح \ أولياء العقد \ ولاية الأب على الصغيرين\ نفوذ عمله بعد البلوغ
 بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبينا محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين
 كنا في مقام أن ما بعد البلوغ هل لها الفسخ أو لا؟ وذكرنا أن الروايات متعارضة والأدلة متعارضة، وأن المرجح، الشهرة ترجح روايات عدم ثبوت الخيار. أما مخالفة العامة هنا فقد ترجح ثبوت الخيار.
 هنا ذكرنا أننا بعد مراجعة أقوال أبناء العامة وجدنا أنهم ليسوا على قول واحد، فهم أيضا منقسمون، بعضهم يقول بعدم ثبوت خيار الفسخ للصغيرة بعد البلوغ وبعضهم يقول بثبوت الخيار لها. فقهاء الحجاز قالوا بعدم ثبوت الخيار، أما فقهاء العراق فقالوا بثبوت الخيار. وكان فقهاء الحجاز فقهاء الحديث كالشافعية والمالكية وبعدهم ابن حنبل، بينما فقهاء العراق فقهاء الرأي أي اللذين يعملون بالقياس ذهبوا إلى الأخذ بالخيار.
 هنا إذا انقسم فقهاء العامة فهل أستطيع أن أقول أن مخالفة العامة مرجح؟ وبعبارة أخرى: مخالفة أي عامة؟ وهل يشترط في المرجح خلاف كل العامة؟
 المقصود من مخالفة أبناء العامة؟ هذا يقتضي منا تحقيق ما معنى " خذ ما خالف القوم " معناه أحد حالتين: هل لأنهم من باب التقية؟ ما معنى التقية؟ هل هي مجرد الخوف على النفس، أو الخوف على الأمة، الخوف من البلبلة هل هي أيضا تقية؟ ما هي دائرة التقية؟ لذلك إذا كان هناك قولان عند أبناء العامة، فهل يمكن حمل بعض الروايات على التقية أو لا؟ فخيار الفسخ قد ينسجم مع بعض أبناء العامة كأهل العراق ولا ينسجم مع أهل الحجاز. هل القول بأن قول العامة مرجح هنا؟
 مختصر ما سنقول: أن معنى مخالفة العامة هل هو الرشد في خلافهم؟ كلمة " الرشد" الذي هو وصول الحق، لماذا؟ هل لأن الأئمة كان خوفهم على مستوى الذات؟ هذا وجه، وهذا ما عبرت عنه في وسيلة المتفقهين، أو مخالفة القوم في المرجحات في ظرف مصادرة السلاطين لحرية الطرف الآخر. أو أن معنى خلاف الرشاد لأن بعضهم كما في بعض الروايات كانوا يتعمدون تحريف الإسلام وتشويهه، نظرا لأنهم حاربوا الإسلام، واحد وعشرين عاما لم يقتنعوا بالإسلام، نعم انتسبوا للإسلام، وهذا ينفعنا في من قال أنه مسلم، هل نقف عند هذا القول، حتى لو نعلم بأنه منافق في قلبه، فلما تشهد الشهادتين يكون قد انتسب إلى هذا المجتمع. ونستفيد أيضا بما معنى الإسلام الذي ينطبق عليه الأحكام، وليس مجرد لقلقة لسان.
  نستفيد من هذه المسألة أنه عندما دخل هؤلاء في الإسلام أنهم لم يدخلوا الإسلام عن قناعة ولا إيمانا ولا إخلاصا، دخلوا بعشرات الآلاف " إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا" هؤلاء ما زالوا أجلافا، التيار العام للإسلام أخذهم وصاروا مسلمين بالشهادتين انتسبوا لهذا الدين.
 
 لو قال بعض العامة بما يقول الإمام (ع) وبعضهم بخلافه، سنرى حينئذ مكان تواجد الإمام (ع) ومدى التحريض على الإمام ، هل قالها للتقية؟
 هنا القول بالخيار خالف فقهاء الحجاز دون فقهاء العراق من أبناء العامة.
 ليس كل ما خالف مصالح السلطان أصبح تقية وعدمها ولذلك قد تكون التقية في كل شيء [1]
  [2]
 
 ولذلك نقول: أن نفس مخالفة بعض العامة، العامة لا تكون دليلا ومرجحا. فكصناعة أصولية نذهب إلى أن الشهرة هي المرجح، فنستطيع إن نقول بعدم ثبوت الخيار والارجحية له. ولكن يبقى في النفس من هذا الكلام شيء.
 فلو فرضنا أن أحدا يريد أن يفتي بعدم الخيار، نقول: في أقصى الحالات يحتاط بالفتوى.
 وهنا الاحتياط يقتضي أنه إذا هي فَسَخَتْ بعد البلوغ، أعادت العقد من جديد لو أراد بقاء الزوجية، وعدم جواز أن تتزوج شخصا آخر، لأنها احتياطا في حبال زوجها الأول، وإذا أرادت أن تتزوج شخصا آخر فالأحوط أن يجري زوجها الطلاق. فالاحتياط سيف ذو حدين ليس من جهة واحدة، هي بالنسبة لها ليست زوجة للزوج الأول ولا تستطيع أن تتزوج شخصا آخر، وهو بالنسبة له ليست زوجة له ولا يستطيع أن يتزوج أختها، واحتياطا عليه أن ينفق عليها، وعليها هي أن تسامح بالنفقة أيضا.
 غدا نبدأ بخيار الفسخ للصغير بعد البلوغ.
 
 
 
 والحمد لله رب العالمين.


[1] - بعض الفقهاء قال: هل أنه مجرد لها الفسخ وعدم الفسخ سيضطر الإمام لأن يفتي بشكل آخر تقية، ما هي قيمة هذه الفتوى حتى يؤدي إلى إزهاق الأرواح. بعبارة اخرى: إنها لا تخالف مصالح السلطان حتى يفتي الإمام تقيّة.
[2] كان الجواب نحن الآن نقيس على زماننا ومكاننا، ولكن ضع نفسك في ذلك الزمن وفكر. ولو قلت له لا تسجد على الصوف، ونعلم أن هذه الفتوى لا أثر لها في السلطان وقوته ومصلحته، فلا حاجة لأن يكون هناك تقية في الفتوى. وللتوضيح: أحيانا يقال أن بعض الفتاوى بسيطة لا تخالف مصالح السلطان حتى يرفع عليها السيف ويمنع من الإفتاء والعمل إلا بها، هذا في الحالات العادية. فمثلا وأنت في هذا الزمن اذهب إلى السعودية إلى المدينة المنورة هل يسمح لك بالسجود على الورقة أو على التربة، وقل لهم بأن السجود على الصوف لا يجوز، هذا لا يؤثر على السلطان ولا على مصالحه ولا قوته، ومع ذلك لا يقبل منك السجود وتمنع.