الأستاذ السيد عبدالکریم فضل‌الله

بحث الفقه

33/03/09

بسم الله الرحمن الرحیم

 الفقه \ كتاب النكاح \ العقد الفضولي \أدلة البطلان \ الدليل الخامس
 كان الكلام في أدلة بطلان العقد الفضولي ووصل بنا الكلام إلى الدليل الخامس
 الدليل الخامس: على بطلان عقد الفضولي هو ما ورد في عدم جواز التصرف في مال الغير إلا بإذنه، لكن الجواب أصبح واضحا مما مرَّ حيث قلنا أن مجرد العقد، لا يعتبر في العرف تصرفا على الأقل إنه ليس تصرفا في مال الغير الذي قلنا انه قبيح عقلائيا، كما مثلنا انك أجريت صيغة بيع سيارة لا تملكها في آخر طهران. أين القبح العقلائي؟! أين التصرف القبيح في ذلك؟!، مع ملاحظة أن القبح هو بلحاظ الآثار، القبح بلحاظ النقل والانتقال وغير ذلك.
  وكما ذكرنا مرارا أن هذا
 أولا: ليس تصرفا فالموضوع غير ثابت أي عدم الجواز وهو التصرف القبيح.
 ثانيا: لو فرضنا شككنا فهي دليل لفظي يحتاج إلى ثبوت العنوان كي ينطبق الحكم، هذا العنوان فيه شك، نقطع بان هذا ليس تصرفا قبيحا عقلائيا، العنوان المأخوذ في الروايات غير موجود، لكن لو فرضنا أن بعضهم شك في انه يمكن أن يكون تصرفا عقلائيا؟. إذا لم يثبت العنوان ننتقل إلى مرحلة الأصول العملية أو الأدلة الأخرى، فالأصل العملي يأتي بعد نفي تحقق العنوان، مرّ هذا معنا في مسألة تدرج الاستنباط.
  لا يجوز التصرف في مال الغير إلا بأذنه، أولا يجب أن نثبت أن بيع الفضولي تصرف في مال الغير، إذا قطعنا بثبوته ينطبق " لا يجوز التصرف "، وإذا شككنا فلا يجوز تطبيق أي دليل لفظي إلا بعد ثبوت العنوان، القاعدة المشهورة عند الفقهاء وهي عند العرف: الأحكام تابعة لعناوينها، مع القطع أو الشك بعدم ثبوت العنوان لا استطيع أن أثبت الدليل اللفظي انتقل مباشرة حينئذ إلى الأصل العملي الذي هو البطلان.
 الدليل السادس: هو عدم أهلية الفضولي للعقد، أي غير المالك ولا الولي ولا الوكيل ولا الوصي، العاقد لا علاقة له فلا أهلية له في العقد.
 والجواب: في المقدمة الثالثة ذكرنا أن العقد أمر عرفي والمباشرة من المالك لا دخالة لها في المفهوم، العاقد لا يشترط أن يكون مباشرا أو وكيلا، بدليل صحة بيع الوكيل أو الولي أو الوصي، لا يشترط في العاقد أن يكون مالكا. هذه النقطة وقف عندها الكثيرون ممن أبطل عقد الفضولي. العاقد يمكن أن يكون غير المالك لكن لا بد من إذن. نقول هكذا: إن هذا عقد يحتاج إلى إجازة لاحقة، ويكون أيضا بالإجازة السابقة. وبينا مرارا أن الإجازة شرط في التأثير ولا دخالة لها لا في المفهوم ولا في الصحة.
  كما ذكرنا في المقدمة الثالثة وقلنا إن الفضولي على قسمين: قسم أجنبي كليا، وقسم له شائبة علاقة.
  الأجنبي كليا يمكن أن يقال في عرف الناس انه لغو محض، فلا بد من شائبة علاقة ولذلك في الروايات التي وردت من الذين أبطلوا بيع الفضولي واستدلوا بها، في الشخص الذي عنده جزء من الأرض فيبيع القرية بأكملها، هناك علاقة وشائبة، انه يملك جزءا من القرية وليس أجنبيا كليا. وفي امرأة من آل فلان باعت قطائعهم، هناك قرابة فباعت أرضهم، " فليمنعها اشد المنع ". العلاقة المصححة لكون الفضولي عاقدا هو التالي: هي العلاقة التي تجعل الأعراب يبررون لأنفسهم أن يمدوا أيديهم لهذا المال، الأعراب الموجودون في كل العالم وفي كل القوميات، هذه الذهنية وهؤلاء الذين لا يهمهم إلا بطونهم وفروجهم ليس عندهم قيم، وقيمهم السلب والنهب.
  هذه هي الشائبة التي نقصدها وهذا هو مورد الروايات.
 الدليل السابع: هو أصالة الفساد أو أصالة عدم ترتب الأثر أو أصالة عدم الصحة.
 والجواب: أصل الفساد أصل عملي، مسلم، لكن الأصل العملي لا يجري إلا بعد بطلان جميع الأدلة من علمي أو أصل لفظي الذي هو آخر سلم العلميات، وذكرنا في المنهجية حوالي أربعة عشر بابا من أبواب العلمي، إذا أغلقت هذه يأتي دور الأصول اللفظية التي تنحصر بأصالتين: أصالة العموم وأصالة الإطلاق. إذا فقد الأصل اللفظي انتقل إلى الأصل العملي، وهو يأتي آخر سلم الاستنباطات، ومع وجود أصل لفظي لا مجرى للأصل العملي.
  نحن نسلم بأصالة الفساد عند الشك في فساد بيع الفضولي في صحته، الأصل فساد البيع وعدم ترتب الأثر، يعني هذا المال كان مملوكا فنستصحب عدم الانتقال لمالك جديد، الأصل صحيح لكن لا مجرى له مع وجود الأدلة التي سنذكرها على صحة عقد الفضولي.
  إذا أردنا أن نكون مستنبطين مجتهدين بحق علينا أن نطور ذوقنا الأدبي من النصوص الأدبية ومن القرآن ومن الروايات ومن نهج البلاغة ومن أشعار العرب والمعلقات، حتى استطيع أن استظهر استظهارا صحيحا من الروايات. ولذا ادعوكم ولو في الأسبوع لقراءة نص من نهج البلاغة أومن كلام الأئمة (ع) فذلك:
  أولا: هي تربية لنا وثقافة.
  وثانيا: تنمية للاستظهار الأدبي لأننا إذا استطعنا تنمية هذا، نادرا ما نصل للأصول العملية.
  انتهينا من أدلة القائلين ببطلان عقد الفضولي التي ذكرناها.
 أدلة القائلين بصحة عقد الفضولي
  وهذا ما نذهب إليه، وقد ذهب إليه مشهور الأصحاب بل كاد - كما قال صاحب الحدائق (ره) - يكون إجماعا. الشيخ الطوسي (ره) نقل الإجماع على البطلان، وصاحب الحدائق ينقل الإجماع على الصحة.
 الدليل الأول: ما احتج به الشهيد الثاني صاحب المسالك (ره)، من كون المقتضي موجودا وهو الجامع للشرائط، والمانع مفقودا. هذا عقد جامع للشرائط، أركانه موجودة، تم العنوان إذن تم المقتضي لإثبات الحكم، والمانع مفقود، لبطلان الأدلة التي ذكرتموها على المنع فحينئذ العقد صحيح.
 والجواب: أن المانعين يمنعون أصل المقتضي، بنظرهم هذا ليس عقدا أصلا، هو لغو محض لا قيمة له وليس إنشاء أصلا، وإشكالهم أن ليس للعاقد أهلية.
  ونحن نذهب إلى أن المقتضي موجود كما قال صاحب المسالك.
 الدليل الثاني: إن عقد الفضولي عقد صدر من أهله وهذا دليل العلامة في المختلف، حيث جعل الأهلية في ثلاثة أمور: العقل، والبلوغ والاختيار. وقد تمت جميعها في عقد الفضولي، الفضولي أجنبي لكنه عاقل وبالغ ومختار، شروط العاقد تامة صدرت من أهلها، كما أن شروط العوضين تامة، العين المباعة، كل ما في الأمر أن العاقد أجنبي عن العوض.
  والظاهر أن هذا الدليل الذي استدل به العلامة هو نفسه دليل المسالك، لكن كل منهما عبر بطريقة تختلف عن الآخر. والكلام نفس الكلام.
 الدليل الثالث: رواية عروة البارقي في قضية الشاتين، عروة البارقي احد أصحاب رسول الله (ص) يذكرها في المستدرك للنوري نقلا عن الثاقب في المناقب، ووردت في كتب أبناء العامة كثيرا
 [ 15260 ] 1 - أبو جعفر محمد بن علي الطوسي في ثاقب المناقب : عن عروة بن جعد البارقي قال : ( قدم جلب ، فأعطاني النبي ( صلى الله عليه وآله ) دينارا ، فقال : " اشتر بها شاة " فاشتريت شاتين بدينار ، فلحقني رجل فبعت أحدهما منه بدينار ، ثم أتيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) بشاة ودينار ، فرده علي ، وقال : " بارك الله لك في صفقة يمينك ) [1]
  عروة أعطاه رسول الله (ص) دينارا ليشتري شاة فاشترى شاتين، وفي الطريق باع إحداها بدينار، فارجع إلى النبي (ص) شاة ودينارا، فقال له النبي (ص) بارك الله لك في صفقة يمينك. بيع الفضولي وقع في بيع الشاة الثانية، لم يوكله الرسول (ص) ولا علم له بشرائها، حتى في الأولى شائبة. " بارك الله في صفقة يمينك " يعني إجازة وهي دليل على صحة بيع الفضولي.
 وأجيب:
  أولا: إن هذه الرواية عامية لم ترد من طرقنا بل من طرق أبناء العامة، لكن اشتهرت في كتبنا، واشتهر العمل بها.
 ثانيا: هذه الرواية معارضة بالروايات الكثيرة في بطلان بيع ما لا يملك.
  من ناحية المعارضة قال هي معارضة برواية " لا تبع ما ليس تملك ". يقول في الحدائق وهو يشدد النكير على القول بصحة بيع الفضولي: ( وأما ما احتج به من الرواية، رواية عروة البارقي، فلا يقوم بها حجة في هذا المجال وإن اشتهر نقلها في كتب الاستدلال، حيث أنها عامية، والعجب منه ومن تبعه في ذلك حيث انه كثيرا ما يطعنون في الأحاديث الصحيحة ويردونها لمخالفتها، ويعتمدون هنا في أصل الحكم على رواية ويفرعون عليها فروعا ويرتبون عليها أحكاما وهو كما ترى ) [2] . يعني رواية عامية غير تامة وأعجب كيف يرتبون عليها ؟.
  والحمد لله رب العالمين.
 
 
 


[1] - مستدرك الوسائل ج 13 ص 245
[2] - الحدائق الناضرة ج 18 ص 381