الأستاذ السيد عبدالکریم فضل‌الله

بحث الفقه

33/03/06

بسم الله الرحمن الرحیم

 الفقه \ كتاب النكاح \ العقد الفضولي \ أدلة البطلان \
 
 الرواية الثالثة: عدة من أصحابنا ، عن سهل بن زياد ، وأحمد بن محمد ، عن ابن محبوب ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : ( وسأله رجل من أهل النيل عن أرض اشتراها بفم النيل فأهل الأرض يقولون : هي أرضهم وأهل الاستان يقولون : هي من أرضنا ، قال : لا تشترها إلا برضا أهلها ) [1] .
 استدلال بحر العلوم
 صاحب البلغة (ره) يستدل، في هذه الرواية وهي بنظره معتبرة سندا وواضحة دلالة، " لا تشترها إلا برضا أهلها " الشراء من دون رضا منهي عنه، والمراد من النهي عن الشراء الوضعي وليس التكليفي.
 أما السند هي رواية معتبرة رغم وجود سهل بن زياد في السند وذلك لوجود احمد بن محمد في عرضه الذي فيه سهل بن زياد، واحمد بن محمد بن نصر ولذلك احمد بن محمد ثقة.
 وأما الدلالة فيستدل صاحب البلغة يقول: " لا تشترها إلا برضا أهلها " نهى عن الشراء إلا بالرضا، يعني نهي ليس فقط تكليفا لأننا في مقام وضع، المراد منه الفساد، أي لا يصح الشراء الا مع رضا الأهل، الباء هنا بمعنى مع.
  سنقرأ كلام صاحب البلغة لما عنده من قناعة لبطلان عقد الفضولي بهذه الروايات، وقلنا إن هذه الروايات لا تدل على بطلان عقد الفضولي، نفس الكلام الذي سنجيب به هنا، هو نفسه الذي أجبناه به في الرواية الأولى والثانية
 يقول صاحب البلغة، لا يقال: إن السؤال في الرواية إنما وقع في ارض متنازع عليها فلذلك يجب تحقيق من هو صاحب الأرض، وكأنما هو يقول إن مورد الرواية الأرض المتنازع عليها، وليس مطلق الأرض- معلوم عدم إجازة المالك على تقدير الفضولي، لانا نقول إن موضوع الاستدلال في الخبر إنما هو قوله " لا تشترها إلا برضا أهلها " الدال على تحريم الشراء قبل تقدم الرضا . كل استدلالاته بوجوب تقدم الموضوع ثم يصح الشراء، والموضوع هو الإجازة إذن الإجازة اللاحقة ليست كالإجازة السابقة.
  في الرواية الثانية " فليمنعها اشد المنع " النهي " لا تشترها إلا برضا أهلها "، نهي، كلمات صاحب البلغة (ره) تدل على انه يريد أن يعبر بصوت عال يقول " مردود بما ينادي به الخبر " كلمة ينادي تعبير عن حالة نفسية، كيف تقولون بصحة بيع الفضولي وهذه الروايات واضحة في بطلانه؟، هذا الخبر يصيح ينادي .
  وحاول الجواب عن الاستدلال بالرواية تطبيقا على السؤال، كلام صاحب البلغة باختصار: { إذا كانت الأرض محل نزاع لا بد من تقديم أمرين لتصحيح عقد، أولا معلومية المالك، ثانيا رضاه.
 ويرد عليه
 إن هذا الكلام مردود، وقلنا إن هذه الروايات موجهة لشريحة كبيرة من المجتمع وهي الأعراب الموجودين في الدنيا كلها وهمهم فروجهم وبطونهم، والسلب والنهب.لا يتحرجون في مدِّ أيديهم إلى ما ليس بهم. وذكرنا في المقدمات أن الإجازة هي شرط في التأثير، ولا دخالة لها في مفهوم العقد أو صحته. ثم إن العقلاء يهتمون بالآثار ويلتفتون إليها، والإنشاء خفيف المؤونة ولا اثر لها من دون إجازة، وعلى هذا يحمل النهي عن بيع الفضولي. " لا تشتري إلا برضا أهلها " " امنعها اشد المنع " كلها بمعنى انه لا تتصرف في ما ليس عندك، فالعقد صحيح لكنه موقوف أثره على الإجازة، والعقلاء يلتفتون للإجازة.
 الرواية الرابعة: وهي عدة روايات بنمط واحد ومضمون واحد، النهي عن بيع الخيانة والسرقة. ذكرنا أن الناس قد تمد يدها إلى بيع ما ليس عندها الطبيعة الأعرابية للبشر في كل العالم، تمد يدها بأدنى علاقة، وجاءت الروايات في النهي الشديد في الاستنكار على هذه النفسية الأعرابية.
  كلام صاحب الحدائق وصاحب البلغة إنما أثبتا كلامهما لشدة تأكيدهم في قولهما ببطلان بيع الفضولي.
 صاحب الحدائق يقول: نهى (ع) عن الشراء مع العلم والنهي دليل التحريم [2]
 : ( وليس ذلك إلا من حيث إن المبيع غير صالح للنقل لكون التصرف فيه غصبا محضا، والتصرف في المغصوب قبيح عقلا ونقلا، والأصحاب في مثل هذا يحكمون بالصحة والوقوف على الإجازة (!!! استدلال صاحب الحدائق باستنكار منه كأنه هذا الكلام عجيب.
  صاحب الحدائق يستنكر ذلك اشد الاستنكار بقوله:( وهل هذا إلا ردٌ لهذا الخبر ) أيها الفقهاء عندما تقولون إن بيع الفضولي صحيحا ليس هذا رد لهذا الخبر وأمثاله؟!، هذا الخبر ينادي ببطلان بيع الفضولي، والمغصوب، وبيع الخيانة والغدر والسرقة، ومع ذلك قبلتم ببيع الفضولي واعتبرتموه صحيحا لكن أثره موقوف على الإجازة.
  ثم يحاول أن يجد لهم مبررا فيقول: ( ولكنهم معذورون من حيث عدمُ الاطلاع على هذه الأخبار، إلا انه يشكل هذا الاعتذار بالمنع من الفتوى إلا بعد تتبع الأدلة من مضانها )إذا كنت مجتهدا بحق يجب أن تستفرغ الوسع حتى تصل، لا يجوز الحكم في الشبهة الحكمية إلا بعد البحث عن الدليل، بعد الفحص إذا لم تجد شيئا تجري الأمارات والأصول.
 وقد برر لهم ثم أشكل على التبرير: ( إلا بعد تتبع الأدلة من مضانها والأخبار المذكورة في الكتب المتداولة بين أيديهم مسطورة !!) ثم يقول بعد ذكر جملة من الأخبار عن النهي بيع الخيانة والسرقة ( فهذه جملة من الأخبار الواضحة الظهور كالنور على الطور في عدم جواز بيع الفضولي وعدم صحته ولو كان ما يدعونه من صحة بيع الفضولي وتصرفه بالدفع والقبض صحيحا وإنما يتوقف على الإجازة لصرح به بعض الأخبار أو أشير إليه إشارة الأخبار كلها باتجاه بطلان البيع، ولا خبر باتجاه صحة البيع ولأجابوا بالصحة وان كان اللزوم موقوفا على الإجازة في بعض الأخبار وان لم يكن كلها، مع انه لا اثر فيها كذلك ولو بالإشارة فضلا عن صريح العبارة ) [3] .
  السؤال هنا: أنت تستدل بالرواية أو بحكم العقل، إذا استدللت بالرواية كلامك سليم بناء على تفسيرك " لا بيع إلا في ما لا يملك " بيع الفضولي باطل.
  أما إذا قلت إن الرواية إنما قالت انه فاسد لان التصرف في المغصوب قبيح، فالرواية لا تدل على ذلك إلا بمقدار القبح، أصبح بيع الفضولي باطلا إن كان تصرفا قبيحا، إذا كان مجرد إنشاء؟ ما هو القبح في ذلك عند العقلاء؟. قلنا إن العقلاء يهتمون بالآثار.
  إذن تعليلك نفسه يرد عليك، هو جواب لك، أنت تبرر نهي الأئمة (ع) بالقبح العقلي، يعني انك تذهب إلى العقلاء، إذن ما استقبحه العقلاء أصبح باطلا، سلمنا ذلك، العقلاء يستقبحون الآثار التصرف بما فيه اثر، مجرد بعت إنشاء، المسألة صارت مع الإجازة مسألة آثار كما ذكرنا.
  والجواب منه غدا على الرواية.
  والحمد لله رب العالمين.
 
 
 
 
 
 
 
 


[1] - الكافي ج 5 ص 283
[2] - والنهي دليل التحريم، لان النهي قسمان نهي تكليفي ونهي وضعي يعني الفساد، اما يدل على مجرد التكليف الحرمة، واما يدل على الفساد، بعبارة اخرى الكلام في الحالة الوضعية في المعاملات الكلام في الفساد، ليس مجرد انه هو صحيح ولكن تأثم عليه، بل هو فاسد ايضا في عالم المعاملات.
[3] - الحدائق الناضرة ج 18 ص 387