بحث الفقه الأستاذ محسن الفقیهی

42/06/05

بسم الله الرحمن الرحیم

 

 

موضوع: المکاسب المحرمة/ الکذب/ التقیّة

و قال العلّامة الحلّيّ (رحمة الله): «لو خاف الإنسان على نفسه من ترك إقامتها، جاز له ذلك؛ للتقيّة ما لم يبلغ قتل النفوس؛ فإن بلغ الحال ذلك، لم يجز فعله و لا تقيّة فيها بلا خلاف». [1]

و قال (رحمة الله): «إن اضطرّ إلى استعمال ما لا يجوز من ظلم مؤمن أو قهره[2] ، جاز ذلك، للضرورة ما لم يبلغ الدماء، فلا يجوز التقيّة فيها على حال». [3]

أقول: إذا لم یکن له التخلّص عن المأموریّة لخوف القتل فقط، فلا یجوز لخوف الضرر عن أموال نفسه تضییع أموال سائر الناس. و هکذا لا یجوز لخوف الضرر عن عرض نفسه تضییع عرض سائر الناس و هکذا. فلا بدّ من ملاحظة الأهمّ و المهم؛ فإنّ المؤمنین إخوة.

و قال الشهید الثاني (رحمة الله) حول هذا الکلام: «لا فرق في ذلك بين الفقيه الشرعيّ و غيره. و يجب عليه حينئذٍ التعلّق من‌ مذاهب أهل الخلاف بالأقرب إلى الحق، فالأقرب إذا أمكنه». [4]

أقول: مع الالتفات إلی الملاحظات السابقة.

و قال الشیخ النجفيّ (رحمة الله): «لو اضطرّه السلطان إلى إقامة الحدّ، جاز حينئذٍ إجابته ما لم يكن قتلاً ظلماً؛ فإنّه لا تقيّة في الدماء بلا خلاف أجده فيه كلّ ذلك، مضافاً إلى عموم أدلّة التقيّة المؤيّدة بما دلّ على جواز تناول غير الباغي و العادي الميتة و غيرها من المحرّمات عند الاضطرار». [5]

و قال السیّد السبزواريّ (رحمة الله): «لو اضطرّه السلطان إلى إقامة حدّ جاز له إجابته ... لأنّه: «ما من شي‌ء حرّمه اللّه إلّا و قد أحلّه لمن اضطرّ إليه». [6] و تدلّ عليه مضافاً إلى الإجماع عمومات أدلّة التقيّة». [7]

أقول: لا بدّ تقییده بما یکون الحدّ حقّاً. و لا بدّ من ملاحظة الأهم، فالأهمّ و المهم، سواء کان في الأموال و الأعراض و النفوس.

تذنیب: حكم الصلاة التي تؤتى خلف المخالف و المعاند في المذهب من حیث الإجزاء و عدمه في التقیّة الخوفیّة (الاضطراریّة)

هنا أقوال:

القول الأوّل[8] : الإجزاء مع القراءة [9] [10] [11] [12] [13] [14] [15] [16] [17] [18] [19] [20]

أقول: هو الحق.

قال الشیخ الطوسيّ (رحمة الله): «إذا صلّى خلف من لا يقتدى به، قرأ على كلّ حال، سمع القراءة أو لم يسمع. فإن كان في حال تقيّة أجزأه من القراءة مثل حديث النفس. و لا يجوز أن يترك القراءة على حال. و إن لم يقرأ أكثر من الحمد وحدها، كان جائزاً و لا يجوز أقلّ منها». [21]

قال العلّامة الحلّيّ (رحمة الله): «لو صلّى خلف من لا يقتدى به، وجبت عليه القراءة‌ و يسرّ بها- و إن كانت جهريّةً- إذا اضطرّ إلى الائتمام. فلو لم يقرأ خلت صلاته من قراءة صورةً و حكماً و ذلك باطل».[22]

قال کاشف الغطاء (رحمة الله): «لا بدّ من نيّة الانفراد معهم و إظهار الدخول في جماعتهم، ثمّ يأتي بما أمكنه، مع اللحوق بأئمّتهم من قراءة و لو كحديث النفس أو أذكار أو غيرها. و الأفضل أن يصلّي الفريضة قبل، ثمّ يحضر معهم، ثمّ له أن يعكس و يجعل الصلاة معهم سُبحةً». [23]

أقول: کلامه (رحمة الله) متین.

أدلّة القول الأوّل

الدلیل الأوّل: الروایات

فمنها: سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ[24] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ[25] عَن‌ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْخَشَّابِ[26] عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ[27] عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) وَ أَبِي جَعْفَرٍ[28] (ع) فِي الرَّجُلِ يَكُونُ خَلْفَ الْإِمَامِ لَا يَقْتَدِي بِهِ فَيَسْبِقُهُ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ قَالَ: «إِنْ كَانَ قَدْ قَرَأَ أُمَّ الْكِتَابِ أَجْزَأَهُ يَقْطَعُ[29] وَ يَرْكَعُ». [30]

قال الشیخ الطوسيّ (رحمة الله): «هذا الخبر يدلّ على أنّه متى لم يقرأ فاتحة الكتاب، لم تجزئه الصلاة».[31]

أقول: إنّ هذه الروایة تدلّ علی الإجزاء مع القراءة و لکنّ السند ضعیف.

و منها: عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ[32] عَنْ أَبِيهِ[33] عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ[34] عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ[35] عَنِ الْحَلَبِيِّ[36] عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: «إِذَا صَلَّيْتَ خَلْفَ إِمَامٍ لَا تَقْتَدِي بِهِ فَاقْرَأْ خَلْفَهُ سَمِعْتَ قِرَاءَتَهُ أَوْ لَمْ تَسْمَعْ». [37]

أقول: إنّ هذه الروایة لا تدلّ علی الإجزاء مع القراءة.

قال العلّامة الحلّيّ (رحمة الله): «يؤيّده[38] ما رواه الشيخ عن الحلبيّ و ما رواه عن عليّ بن أسباط». [39]

 


[1] .منتهى المطلب في تحقيق المذهب‌، العلامة الحلي، ج15، ص245.
[2] الغلبة و التذلیل معاً.
[3] .منتهى المطلب في تحقيق المذهب‌، العلامة الحلي، ج15، ص460.
[4] .مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام، الشهيد الثاني، ج3، ص111.
[5] .جواهر الكلام، النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن، ج21، ص391.
[6] .تهذيب الأحكام، شيخ الطائفة، ج3، ص177. و جاء فیه: الْحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ [الأهوازي: إماميّ ثقة] عَنْ فَضَالَةَ [فضالة بن أیّوب: إماميّ ثقة، من أصحاب الإجماع علی قول] عَنْ حُسَيْنٍ [الحسین بن عثمان الأحمسيّ الرواسي: إماميّ ثقة] عَنْ سَمَاعَةَ [سماعة بن مهران: إماميّ ثقة] عَنْ أَبِي بَصِيرٍ [یحیی أبو بصیر الأسدي: إماميّ ثقة من أصحاب الإجماع] ... قَالَ (ع): «... لَيْسَ شَيْ‌ءٌ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا وَ قَدْ أَحَلَّهُ‌ لِمَنِ اضْطُرَّ إِلَيْهِ». (هذه الروایة مسندة و صحیحة).
[7] .مهذب الاحکام فی بیان حلال و الحرام، السبزواري، السيد عبد الأعلى، ج15، ص229.
[8] لا بدّ من نيّة الانفراد معهم و إظهار الدخول في جماعتهم.
[9] .المقنع، الشيخ الصدوق، ج1، ص114.
[10] .تهذيب الأحكام، شيخ الطائفة، ج3، ص37.
[11] .المبسوط في فقه الإمامية، الشيخ الطوسي، ج1، ص158.
[12] .المهذب، القاضي ابن البراج، ج1، ص81.
[13] .منتهى المطلب في تحقيق المذهب‌، العلامة الحلي، ج6، ص264.
[14] .الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة، البحراني، الشيخ يوسف، ج11، ص81.
[15] .مصابيح الظلام فی شرح مفاتیح الشرایع، الوحيد البهبهاني، محمّد باقر، ج7، ص34.
[16] .سداد العباد و رشاد العباد، آل عصفور، الشيخ حسين، ج1، ص152.
[17] .كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء - ط الحديثة، كاشف الغطاء، الشيخ جعفر، ج3، ص312.
[18] .الشرح الصغير في شرح مختصر النافع، الطباطبائي، السيد علي، ج1، ص180.
[19] .غنائم الأيّام في مسائل الحلال والحرام، القمّي، الميرزا أبو القاسم، ج2، ص536.
[20] .جواهر الكلام، النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن، ج13، ص195.
[21] . المبسوط في فقه الإمامية، الشيخ الطوسي، ج1، ص158.
[22] . منتهى المطلب في تحقيق المذهب‌، العلامة الحلي، ج6، ص264.
[23] . كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء - ط الحديثة، كاشف الغطاء، الشيخ جعفر، ج3، ص312.
[24] القمّي: إماميّ ثقة.
[25] إماميّ ثقة.
[26] إماميّ ثقة.
[27] عليّ بن أسباط بن سالم الکنديّ الکوفي: فطحيّ ثقة، رجع عن الفطحیّة علی قول.
[28] الإمام الباقر(ع).
[29] أي: یقطع السورة و لا یقرأْها.
[30] .تهذيب الأحكام، شيخ الطائفة، ج3، ص37.. (هذه الروایة مرسلة و ضعیفة)
[31] .تهذيب الأحكام، شيخ الطائفة، ج3، ص37.
[32] عليّ بن إبراهیم بن هاشم القمّي: إماميّ ثقة.
[33] إبراهیم بن هاشم القمّي: مختلف فیه و هو إماميّ ثقة علی الأقوی.
[34] محمّد بن أبي عمیر زیاد: إماميّ ثقة من أصحاب الإجماع.
[35] الناب: إماميّ ثقة من أصحاب الإجماع.
[36] عبید الله بن عليّ الحلبي: إماميّ ثقة.
[37] .الكافي- ط الاسلامية، الشيخ الكليني، ج3، ص377. (هذه الروایة مسندة، صحیحة علی الأقوی).
[38] الإجزاء مع القراءة.
[39] .منتهى المطلب في تحقيق المذهب‌، العلامة الحلي، ج6، ص264.