44/08/21
بسم الله الرحمن الرحیم
الموضوع: الأصول العملية/أصالة التخيير /استدلال القائلین بالتخییر البدوي؛ البیان الثاني من المحقق الإصفهاني
البیان الثاني: من المحقّق الإصفهاني[1]
التحقیق أنّ العلم لاینجّز إلّا طرفه، مع القدرة على امتثال طرفه.
و من البیّن أنّ هناك تكالیف متعدّدة في الوقایع المتعدّدة، فهناك علوم متعدّدة بتكالیف متعدّدة في الوقایع المتعدّدة، لاینجّز كلّ علم إلّا ما هو طرفه في تلك الواقعة، و المفروض عدم قبول طرفه للتنجّز [و ذلك لدوران الأمر بین المحذورین و عدم التمكّن من الموافقة القطعیة في كلّ واقعة].
و لاتوجب هذه العلوم المتعدّدة علماً إجمالیاً أو تفصیلیاً بتكلیف آخر یتمكّن من ترك مخالفته القطعیة.
نعم انتزاع طبیعي العلم من العلوم المتعدّدة و طبیعي التكلیف من التكالیف المتعدّدة و نسبة المخالفة القطعیة إلى ذلك التكلیف الواحد المعلوم بعلم واحد، هو الموجب لهذه المغالطة.
و من الواضح أنّ ضمّ المخالفة في واقعة إلى المخالفة في واقعة أخری و إن كان یوجب القطع بالمخالفة، لكنه قطع بمخالفة غیر مؤثّرة، لفرض عدم الأثر لكلّ مخالفة للتكلیف المعلوم في كلّ واقعة.
و ممّا ذكرنا تبیّن أنّ التمكّن من ترك المخالفة القطعیة في واقعتین غیر مفید، لأنّه لیس امتثالاً للتكلیف المعلوم الذي یترقّب امتثاله.
فإنّ كلّ تكلیف في كلّ واقعة یستدعي امتثال نفسه بحكم العقل، لا امتثاله أو امتثال تكلیف آخر في واقعة أخری.
و لایخفی علیك أنّ عدم الفرق بین المخالفة القطعیة الدفعیة و التدریجیة صحیح إذا كان التدریجي طرف العلم [مثل العلم الإجمالي بوجوب فعل علیه إمّا في هذا الیوم و إمّا في الیوم الآتي مثلاً] لا في مثل ما نحن فیه من كون كلّ واقعة أجنبیة عن واقعة أخری من حیث العلم و المعلوم، فكذا من حیث الامتثال.
فلیس الإشكال فیما نحن فیه من حیث تدریجیة المخالفة، كي یجاب:
تارة: بأنّ التكلیف بالمتأخّر بنحو المعلّق أو بنحو المشروط بالشرط المتأخّر فهو فعليّ حال تعلّق العلم.
و أخری: بأنّ الواجب المشروط إذا علم بتحقّق شرطه في ظرفه كفی في تنجّزه في ظرفه.
التحقیق أنّ هنا أوجهاً أربعة
التحقیق هو أنّ ما أجاب به المحقّق النائیني یرجع إلى وجهین و ما أفاده المحقّق الإصفهاني هو الوجه الثالث.
الوجه الأوّل
و هو أنّ التكلیف في الواقعة الأُولى غیر منجّز لأنّ المكلّف غیر متمكّن من الموافقة القطعیة و المخالفة القطعیة بالنسبة إلیها.
فإنّ دوران الأمر بین المحذورین یوجب أن لایكون هناك خطاب معلوم قابل للداعویة و لا ملاك محرز في طرف الفعل أو الترك.
و هكذا الأمر بالنسبة إلى الواقعة الثانیة التي تقع تدریجاً بعد زمان الواقعة الأُولى فإنّ التكلیف بالنسبة إلیها أیضاً غیر منجّز.
فضمّ الوقایع بعضها إلى بعض لایوجب تنجیز التكلیف.
الإیراد على الوجه الأوّل
إنّه مبني على سقوط العلم الإجمالي عن التنجیز رأساً و لكن بناء على بیانه العلم الإجمالي في المقام و عدم سقوطه عن التنجیز في نفسه و وجود المانع الذي هو عدم التمكّن من الامتثال بالموافقة القطعیة، فلا مجال لهذا الوجه. فهذا الجواب بناء على ما اختاره المحقّق النائیني تامّ بلا إشكال، فعلى هذا المحقّق الخوئي حیث التزم بمبنی المحقّق النائیني من عدم تنجّز العلم الإجمالي لابدّ له من أن یلتزم بهذا الوجه أیضاً و یعتقد بالتخییر الاستمراري فما ذهب إلیه المحقّق الخوئي من التخییر البدوي لایتمّ على مختاره من عدم تنجّز العلم الإجمالي.
الوجه الثاني
إنّ في زمان الواقعة الأُولى لیس التكلیف المعلوم في الواقعة الثانیة تكلیفاً فعلیاً بل هو مشروط بوجود موضوعها خطاباً و ملاكاً، فلایجب مراعاة التكلیف المعلوم في الواقعة الثانیة.
الإیراد على الوجه الثاني
و هو ما نقله المحقّق الإصفهاني في آخر كلامه من أنّ التكلیف بالمتأخّر بنحو الواجب المعلّق أو بنحو المشروط بالشرط المتأخّر فهو تكلیف فعلي حال تعلّق العلم.
الجواب عن هذا الإیراد
إنّ هذا الإیراد لایتمّ على مسلك المحقّق الإصفهاني حیث قد تقدّم في بحث الواجب المعلّق ([2] ): لایعقل تعلّق الإرادة و كذا تعلّق البعث بأمر استقبالي لأنّ البعث الفعلي هو جعل ما یمكن أن یكون داعیاً و باعثاً للمكلّف عند انقیاده، و إمكان الباعثیة یلازم إمكان الانبعاث، و إذا لمیعقل إمكان الانبعاث فعلاً كما في مفروض المسألة في الواجب المعلّق فلایعقل إمكان البعث فعلاً.
و القول بعدم فعلیة البعث و التكلیف مستلزم لعدم تنجّز التكلیف.
فعلى هذا ما أفاده المحقّق النائیني في الوجه الثاني یتمّ على مسلك المحقّق الإصفهاني أیضاً فالوجه الثاني تامّ بلا إشكال.
الوجه الثالث
و هو مبني على أنّ الحكم الذي هو طرف للعلم الإجمالي لایقبل التنجّز، لأنّ العلم الإجمالي في كلّ واقعة لاینجّز إلّا ما هو طرفه و التكلیف الذي في طرف هذا العلم و إن كان واصلاً إلى المكلّف بالعلم الإجمالي إلّا أنّه لیس منجّزاً علیه بمعنی كونه مستلزم لاستحقاق العقاب لما تقدّم من عدم التمكّن من امتثاله بالموافقة القطعیة كما لایمكن مخالفته القطعیة.
و لذا قال المحقّق الإصفهاني بأنّ التمكّن من ترك المخالفة القطعیة بالنسبة إلى العلم الإجمالي الانتزاعي بین الواقعتین غیر مفید، لأنّه لیس امتثالاً للتكلیف المعلوم الذي یترقّب امتثاله، فإنّ كلّ تكلیف في كلّ واقعة یستدعي امتثال نفسه بحكم العقل، لا امتثاله أو امتثال تكلیف آخر في واقعة أخری.
الوجه الرابع
و هو یبتني على ما تقدّم من أنّ التخییر بین الأخذ بالوجوب أو الأخذ بالحرمة، فإنّ العلم الإجمالي في كلّ واقعة مقتضٍ للتنجیز في نفسه إلّا أنّ التمانع بین الأخذ بالحكمین هو الموجب لعدم بلوغ الحكمین معاً إلى مرحلة التنجّز، و قلنا أنّ التمانع المذكور لایقتضي سقوط الحكمین معاً عن التنجّز حتّی یلزم التخییر العملي الفقهي بین الفعل و الترك بل العقل و العقلاء یحكمون بلزوم الأخذ بأحد طرفي العلم لوجود التمكّن من الامتثال الاحتمالي بالنسبة إلیه و هذا التخییر تخییر أصولي بمناط السیرة العقلائیة و الدلیل العقلي.
و لازم ذلك سقوط الطرف الآخر عن المنجّزیة و إن كان في الواقع هو الحكم المجعول الشرعي، فإنّه على فرض مطابقته للواقع حكم واقعي غیر منجّز فلا عقاب على مخالفته القطعیة.
فالعلم الإجمالي الانتزاعي بین الواقعتین و إن كان یرشدنا إلى أنّ اختیار جانب الفعل في لیلة الجمعة الأُولى و اختیار جانب الترك في لیلة الجمعة الثانیة في المثال الذي تقدّم ذكره مستلزم للمخالفة القطعیة، إلّا أنّه مخالفة قطعیة للحكم الواقعي الذي لمیتنجّز على المكلّف إمّا في الأسبوع الأوّل و إمّا في الأسبوع الثاني، و لا إشكال في جواز مخالفة الحكم الواقعي فیما إذا لمیتنجّز على المكلّف، سواء كان عدم التنجّز لعدم التمكّن من الموافقة القطعیة و المخالفة القطعیة كما في مسألة الدوران بین المحذورین أو كان لأمر آخر مثل عدم التمكّن من الصوم في شهر رمضان لمرض مثلاً فإنّه لا حرمة للمخالفة القطعیة لوجوب صوم شهر رمضان في الفرض المذكور.
هذا تمام الكلام في المناقشة في الدلیل الأوّل للقائلین بالتخییر البدوي.
و ملخّصه: أنّهم قالوا في الدلیل الأوّل بأنّ التخییر الاستمراري مستلزم للوقوع في المخالفة القطعیة بالنسبة إلى العلم الإجمالي الذي تحقّق بین الواقعتین أو الوقایع، و الجواب عنهم هو أنّ المخالفة القطعیة المذكورة جائزة و لیست بحرام قطعاً، لأنّها لیست مخالفة قطعیة للحكم المنجّز.
الدلیل الثاني
إنّ الدلیل الثاني الذي استدلّ به القائل بالتخییر البدوي هو استصحاب الحكم الذي اختاره المكلّف في الواقعة الأُولى بالنسبة إلى الواقعة الثانیة.
جوابان من العلّامة الأنصاري عن الدلیل الثاني[3]
الجواب الأوّل
إنّ استصحاب الحكم الذي اختاره المكلّف في الواقعة الأُولى معارض باستصحاب التخییر، مع أنّ استصحاب التخییر يتقدّم على استصحاب الحكم المذكور بالحكومة.
الجواب الثاني
إنّ حكم العقل بالتخییر عقلي لا احتمال فیه فلا مجال لجریان الاستصحاب حیث إنّ الاستصحاب أصل عملي لایرجع إلیه إلّا مع الشكّ عند فقد الدلیل.
الدلیل الثالث
إنّ القائلین بالتخییر البدوي استدلّوا علیه أيضاً بجریان أصالة الاحتیاط حیث إنّها تقتضي عدم العدول في الواقعة الثانیة عمّا اختاره في الواقعة الأُولى.
جواب الشيخ الأنصاري [4]
تقدّم في الاستصحاب أنّ حكم العقل بالتخییر بین الفعل و الترك حكم قطعي عقلي و لا احتمال فیه و موضوع أصالة الاحتیاط هو الشكّ فمع قطعیة حكم العقل لایبقی مجال لأصالة الاحتیاط.
فالمتحصّل:
إنّ القاعدة في القسم الأوّل من المقام الثالث هو التخییر إلّا أنّه لایجوز فعلهما معاً أو تركهما معاً في الواقعتین لاستلزام ذلك المخالفة القطعیة للعلم الإجمالي.
و أمّا في القسم الثاني فهذا العلم الإجمالي غیر منجّز و لذلك یجوز اختیار الفعل أو اختیار الترك في الواقعتین معاً.
كما أنّه لا إشكال في التخییر الاستمراري و أنّ استلزام المخالفة القطعیة للعلم الإجمالي بین الواقعتین أو الوقایع.
استدلال المحقّق الإصفهاني على التخيير الاستمراري
قد تقدّم استدلال المحقّق الإصفهاني على التخییر الاستمراري عند المناقشة الثانیة في الدلیل الأوّل للقائلین بالتخییر البدوي.
و قد قرّره بعض الأساطين و قال: قد وافق الشيخ على ثبوت التخيير الاستمراري المحقّقُ الإصفهاني و استدلّ عليه بأنّ العلم لاينجّز إلّا ما تعلّق به بشرط القدرة على امتثاله، و تقريب هذا الاستدلال يتوقّف على تمهید مقدّمتين:
الأولى: العلم إنّما يكون منجّزاً و مؤثّراً في استحقاق العقاب فيما إذا كان متعلّقاً بالحكم الفعلي و كان المكلّف قادراً على امتثاله.
و الثانية: أنّ العلم الانتزاعي كان تابعاً لمنشأ انتزاعه في التنجيز، لكون وجوده بعين وجود منشأ انتزاعه، فلا يكون مؤثّراً لأثر زائد على أثر منشأ انتزاعه.
و بعد ملاحظة المقدّمتين حيث إنّ المفروض في المقام هو العلم بجنس الإلزام و الشكّ في نوعه في الواقعة الأولى فالعلم بجنس الإلزام لايكون مؤثّراً في تنجيز المعلوم بالإجمال، حيث إنّ التأثير في التنجيز الموجب لامتثال العبد الحكم المعلوم بالإجمال إنّما يكون بترك المخالفة القطعية و تحصيل الموافقة القطعية، و في دوران الأمر بين المحذورين من تعلّق العلم بجنس الإلزام و الشكّ في نوعه من كونه هو الوجوب أو الحرمة لايكون المكلّف قادراً على الامتثال لا على المخالفة القطعية، لكونها مستلزمة لارتفاع النقيضين، و لا على الموافقة القطعية ، لكونها موجبة لاجتماع النقيضين، و لا على الموافقة الاحتمالية، لحصولها منه تكويناً، فلايكون العلم بالإلزام في الواقعة الأولى قابلاً للتنجيز و التأثير أصلاً.
و العلم في الواقعة الثانية أيضاً يكون مثل العلم في الواقعة الأولى غير قابل للتأثير، لكون متعلّقها مثل متعلّق الأولى في عدم قابليته للتأثير في الامتثال، و العلم الانتزاعي المنتزع من العلمين لا أثر له غير ما يترتّب على منشأ انتزاعه.([5] )
و لقد أجاد المحقّق الإصفهاني في الاستدلال على التخییر الاستمراري، وفاقاً للشیخ الأعظم الأنصاري و لا نطیل الكلام بدفع ما أورد علیه.([6] )
التنبیه الثاني: هل یقدّم الأهم أو محتمل الأهمیة أو الحكم بالتخییر؟
إذا دار الأمر بین المحذورین مع فرض تعدّد الواقعة فقد قلنا بالتخییر إلّا أنّه قلنا في القسم الأوّل (التعدّد العرضي)([7] ) بأنّ التخییر فیما إذا استلزم المخالفة القطعیة للعلم الإجمالي الانتزاعي بین الواقعتین أو الوقایع ممنوع، فلایجوز له اختیار الفعلین أو تركهما في الواقعتین و ذلك لتنجیز العلم الإجمالي الانتزاعي المذكور.
و أمّا العلم الإجمالي المذكور في القسم الثاني و في مسألة التخییر البدوي أو الاستمراري فلیس بمنجّز قطعاً فلا حرمة في مخالفته القطعیة، فیجوز للمكلّف اختیار فعلهما أو تركهما في كلّ من الواقعتین أو اختیار الفعل في أحدهما و اختیار الترك في الآخر و الكلام الآن في التخییر أو تعیین الأهمّ أو محتمل الأهمّیة.
فهنا قولان لابدّ من بیانهما:
القول الأوّل: تقدیم الأهمّ أو محتمل الأهمّیة
و هو مستفاد من إطلاق كلام صاحب الكفایة[8] حیث قال فیما إذا احتمل الترجیح في أحدهما المعیّن بأنّه لایبعد استقلال العقل بتعیینه كما هو الحال في دوران الأمر بین التخییر و التعیین و قد تقدّم صحّة هذا القول.
أمّا المحقّق النائیني فمقتضى ما أفاده في حكم الأهمّ أو محتمل الأهمّیة في المقام الأوّل([9] ) هو التخییر لأنّ العلم الإجمالي ساقط عن التنجیز و هو كلا علم فلاتفید الأهمّیة أو احتمالها.
إلّا أنّ مقتضى ما أفاده في مسألة أقسام الشكّ في المكلّف به في ما إذا اشتبه الواجب بالحرام تقدیم الأهمّ أو محتمل الأهمّیة.
بیان المحقّق النائیني
بقي من أقسام الشكّ في المكلّف به ما إذا اشتبه الواجب بالحرام، كما إذا علم بوجوب أحد الشيئين و حرمة الآخر، و اشتبه الواجب بالحرام.
و قد أطلق الشيخ الحكم بالتخییر بین الفعل أحدهما و ترك الآخر، و ذكر في وجهه إنّ الموافقة الاحتمالیة لكلّ من التكلیفین أولى من الموافقة القطعیة لأحدهما و المخالفة القطعیة للآخر، بعد عدم تمكّن المكلّف من الموافقة القطعیة لكلّ منهما.
هذا و لكن الحكم بالتخییر بقول مطلق لایخلو عن إشكال، بل ینبغي ملاحظة مرجّحات باب التزاحم، فتقدّم الموافقة القطعیة للأهمّ منهما و إن استلزم ذلك المخالفة القطعیة للآخر، فإنّ المقام یندرج في صغری التزاحم، و إن كان بین التزاحم في المقام و بین غیره فرق، لأنّ التزاحم في غیر المقام یرجع إلى ناحیة القدرة التي هي شرط الخطاب، لعدم القدرة على الجمع بین المتعلّقین، و التزاحم في المقام یرجع إلى ناحیة تأثیر العلم الإجمالي، لأنّ العلم الإجمالي بكلّ من الواجب و الحرام یقتضي تنجیز التكلیف بمتعلّقه و تأثیر في الخروج عن عهدته و القطع بامتثاله و حیث لایتمكّن المكلّف من الجري على ما یقتضیه كلّ من العلمین و الخروج عن عهدة الامتثال القطعي لكلّ من التكلیفین لجهله بمتعلّق الوجوب و الحرمة، فلامحالة یقع التزاحم في تأثیر العلم للامتثال القطعي لكلّ منهما، و ینبغي تأثیر ما هو الأقوی منهما بحسب أقوائیة الملاك القائم بمتعلّقه، فیقتضي الموافقة القطعیة له و یسقط الآخر عن التأثیر.
فلو كان الحرام أقوی ملاكاً قدّم امتثاله القطعي و إن استلزم مخالفة الواجب و إن كان الواجب أقوی ملاكاً قدّم امتثاله القطعي و إن استلزم مخالفة الحرام.
فظهر فساد القول بالتخییر بقول مطلق.
نعم لو لم یكن أحدهما أقوی ملاكاً من الآخر صحّ القول بالتخییر على الوجه الذي أفاده فتأمل.[10] [11]
مناقشتان من المحقّق الخوئي
المناقشة الأُولى
النقض بما إذا علم تساوي الحكمین في الأهمّیة، فإنّ لازم كونهما من المتزاحمین أن یحكم حینئذٍ بالتخییر، فللمكلّف أن یختار الوجوب و یأتي بكلا الفعلین، و له أن یختار الحرمة و یتركهما معاً.
مع أنّ المحقّق النائیني لمیلتزم بذلك و ذهب إلى لزوم الإتیان بأحد الفعلین و ترك الآخر حذراً من المخالفة القطعیة في أحد التكلیفین. [12]
یلاحظ علیها
إنّ ما أفاده المحقّق النائیني من التزاحم هو في مقام الامتثال بموافقتهما و أمّا المخالفة القطعیة فیما إذا أمكنت فهي خارجة عن مسألة التزاحم فلایحكم بالتخییر إذا استلزم ذلك في التعدّد العرضي كما تقدّم([13] ) دون التعدّد الطولي و دون مسألة التخییر البدوي أو الاستمراري حیث قال بجواز المخالفة القطعیة فیها للعلم الإجمالي بین الواقعتین.
المناقشة الثانیة[14]
«إنّه لو سلّمنا دخول المقام في باب التزاحم، لا دلیل على لزوم الأخذ بمحتمل الأهمّیة في باب التزاحم مطلقاً لیجب الأخذ به في المقام، إنّما الوجه في ذلك ما أشرنا إلیه سابقاً من أنّ الحكمین المتزاحمین، لامناص من الالتزام بسقوط الإطلاق في كلیهما أو أحدهما و من الظاهر أنّ ما لایحتمل أهمّیته قد علم سقوط إطلاقه على كلا التقدیرین، و أمّا ما احتمل أهمّیته فسقوط إطلاقه غیر معلوم، فلابدّ من الأخذ به، هذا فیما إذا كان لدلیل كلّ من الحكمین إطلاق لفظي.
و أمّا إذا لمیكن لشيء من الدلیلین إطلاق، فالوجه في تقدیم محتمل الأهمّیة هو القطع بجواز تفویت ملاك غیره بتحصیل ملاكه و أمّا تفویت ملاكه بتحصیل ملاك غیره فجوازه غیر معلوم فتصحّ العقوبة علیه بحكم العقل، فلا مناص من الأخذ بمحتمل الأهمّیة.
و هذان الوجهان لایجریان في المقام، إذ المفروض بقاء الإطلاق في كلا الحكمین، لعدم التنافي بین الإطلاقین لیرفع الید عن أحدهما و عدم ثبوت جواز تفویت الملاك في شيء منهما، إذ كلّ ذلك فرع عجز المكلّف عن امتثال كلا التكلیفین و المفروض قدرته على امتثالهما لتغایر متعلّق الوجوب و الحرمة».
یلاحظ علیها
إنّ ما أفيد من بناء الإطلاق في كلا الحكمین و عدم ثبوت جواز تفویت الملاك في شيء منهما مخالف لمبنی المحقّق النائیني و لمبنی المحقّق الخوئي أیضاً حیث قالا بعدم تنجیز الحكمین لسقوط العلم الإجمالي و لعلّ منشأ الخلط هو أنّه تصوّر أنّ كلام المحقّق النائیني هنا في دوران الأمر بین شرطیة الشيء و مانعیته مع أنّه لیس كذلك كما تقدّم بیانه من فوائد الأصول.
القول الثاني
و هو التخییر بین الفعل و الترك و إن كان أحدهما أهمّ أو محتمل الأهمّیة و هذا مختار المحقّق الخوئي و قد تقدّم بیان استدلاله علیه.
یلاحظ علیه
إنّ العقل مستقلّ بلزوم صرف القدرة فیما هو الأهمّ أو محتمل الأهمّیة و لا أقلّ من الشكّ في ذلك فالتكلیف بالأهمّ أو محتمل الأهمّیة منجّز كما سبق بیانه.