الأستاذ الشيخ هادي آل راضي

بحث الأصول

38/04/12

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

 

التنبيه الآخر الذي يقع فيه الكلام بعد أن أكملنا الكلام عن تعارض الضررين، يقع في أنّ الضرر المنفي في الحديث الشريف هل يُراد به الضرر الشخصي أو يراد به الضرر النوعي . المراد بالضرر الشخصي هو الضرر الفعلي الوارد على كل شخصٍ شخص، في مقابل الضرر الوارد على معظم المكلفين، ولا يُلاحظ فيه تضرر هذا الشخص أو ذاك الشخص، وإنّما الضرر يتوجه على غالب الأفراد المكلفين، بناءً على أنّ الضرر الوارد في القاعدة هو الضرر الشخصي؛ حينئذٍ تجري القاعدة في حق زيد ـــــــ مثلاً ـــــــ إذا كان يتضرر بالفعل بسبب الحكم، وتنفي ذلك الحكم الذي صار منشئاً لتضرر زيد، ولكنها بناءً على أنّ الضرر شخصي لا تجري في حق زيد إذا لم يتضرر بسبب الحكم، يعني إذا لم يكن الحكم منشئاً لتضرره حتى إذا كان الحكم موجباً لتضرر اشخاصٍ آخرين، لكنّها لا تجري في حق زيدٍ؛ لأنه لا يتضرر بسبب هذا الحكم، بناءً على ذلك؛ حينئذٍ في كل الأحكام التي يراد إثباتها بقاعدة لا ضرر، أو يراد نفيها بقاعدة لا ضرر لابدّ من افتراض أنّ التضرر اشخصي، فتجري القاعدة لنفي حكمٍ، أو إثبات حكمٍ إذا كان نفيه، أو إثباته موجباً لتضرر ذلك الشخص الذي يراد إجراء القاعدة في حقه، ففي مسألة حق الشفعة ـــــــ مثلاً ـــــــ إنّما تجري هذه القاعدة لإثبات حق الشفعة بالنسبة إلى الشريك إذا كان هذا الشريك يتضرر من بيع شريكه لحصّته المشاعة، وأمّا إذا فرضنا أنّ هذا الشرك لا يتضرر من بيع شريكه لحصته المشاعة كما إذا كان شريكه سيء الأخلاق يؤذي هذا الشريك، وكان من يريد بيع الحصة له رجلاً طيباً مؤمناً ينسجم مع الشريك الأول، يعني في هذه الحالة لا يتضرر هذا الشريك من بيع الشريك الثاني لحصته، بناءً على أنّ الضرر المنفي بالقاعدة هو الضرر الشخصي، وبناءً على أن نأخذ بنظر الاعتبار أموراً أخرى تأتي الإشارة إليها لابدّ أن نلتزم بعدم ثبوت حق الشفعة لهذا الشريك؛ لأنّ المفروض أنّ الشريك الأول لا يتضرر من بيع شريكه لحصته، فلابدّ من تحديد أنّ نفي الحكم، أو إثباته هل يوجب ضرراً بالنسبة إلى الشخص، أو لا ؟ فإذا أوجب ذلك تجري القاعدة في حقه، وإذا لم يوجب ذلك لا تجري القاعدة في حقه، وإن أوجبت الضرر في حق أشخاصٍ آخرين

أمّا إذا كان الضرر نوعياً؛ فحينئذٍ يمكن إجراء القاعدة في حق زيدٍ وإن لم يتضرر بسبب الحكم، ما دام أنّ غالب المكلفين يتضررون من هذا الحكم؛ فحينئذٍ تجري القاعدة لنفي هذا الحكم حتى في حق الشخص الذي لا يتضرر بسبب ذلك الحكم . لنفترض أنّ في بيع الشريك لحصته المشاعة معظم المكلفين يتضررون من هذا البيع، هذا الضرر النوعي يكفي لنفي الحكم عن الجميع حتى من لم يتضرر ببيع الشريك؛ لأنّ الضرر المعتبر في النفي هو الضرر النوعي لا الضرر الشخصي.

حينئذٍ، إذا اتضح هذا نقول: أنّ الكلام وقع في أنّ الضرر المنفي في القاعدة هل هو الضرر الشخصي، أو الضرر النوعي ؟ أو يُفصّل ، كما نُسب إلى المشهور، أنّه يُفصّل بين العبادات، فيلتزم بأنّ الضرر فيها شخصي، وبين المعاملات، فيُلتزم بأنّ الضرر فيها نوعي. ذكر السيد الخوئي(قدّس سرّه)[1] بأنّ منشأ هذا التفصيل هو أنّ الشيخ (قدّس سرّه) طبق قاعدة لا ضرر في الرسائل على بعض المعاملات من قبيل بيع الشريك ـــــــ التي هي مسألة حق الشفعة التي كنّا نتكلّم فيها ـــــــ وطبّقها على البيع الغبني واستند إلى قاعدة لا ضرر لإثبات حق الشفعة، وإثبات الخيار للشخص المغبون في البيع الغبني، وعندما لاحظوا هذه الموارد وجدوا أنّ الضرر فيها لا يمكن أن يكون شخصياً؛ لأنّ خيار الغبن يثبت في المعاملة الغبنية من دون فرقٍ بين أن يتضرر المغبون من المعاملة، أو لا يتضرر، فقد نفترض أنه لا يتضرر من المعاملة الغبنية كما لو كان السوق كساداً ـــــــ مثلاً ــــــ وهو يريد أن يبيع سلعته، أو أنّ المشتري يريد شرائها على كل حال . في باب الشفعة قلنا أنّه ليس دائماً يكون الشريك متضرراً من بيع شريكه لحصته، فقد يكون هناك ضرر وقد لا يكون، فمن هنا قالوا: أنّ الضرر المعتبر في باب المعاملات هو الضرر النوعي، فتجري القاعدة ويثبت حق الشفعة للجميع، من تضرر ومن لا يتضرر؛ لأنّ المناط على الضرر النوعي، وهكذا في مسألة البيع الغبني، قالوا: أنّ الخيار يثبت للجميع، سواء تضرر الشخص من هذا البيع الغبني، أو لم يتضرر، بينما الضرر في العبادات هو الضرر الشخصي. على كل حال، الشيخ الأنصاري نفسه(قدّس سرّه) والمحقق النائيني(قدّس سرّه)، والمحقق العراقي(قدّس سرّه) وكثير غيرهم ذهبوا إلى أنّ المناط في القاعدة هو على الضرر الشخصي لا الضرر النوعي.

المحقق النائيني(قدّس سرّه) في ما كتبه في قاعدة لا ضرر استدل على ذلك بأنّ مقتضى حكومة دليل لا ضرر على الأحكام الأولية هو أن يكون الضرر شخصياً لا نوعياً، ويقول بصريح العبارة: لا يمكن الجمع بين حكومة دليل لا ضرر على الأحكام الأولية وبين كون الضرر نوعياً، والذي يُفهم من كلامه أنّ الوجه في ذلك هو أنّ حكومة دليل لا ضرر على الأحكام الأولية يقتضي أن يكون كل حكمٍ ينشأ منه الضرر منفياً؛ ولذا يكون دليل لا ضرر موجباً لاختصاص أدلة الأحكام الأولية بغير موارد الضرر . أمّا الحكم الذي لا ينشأ منه الضرر، فبطبيعة الحال لا يكون منفياً. الحكم بوجوب الوضوء ـــــــ مثلاً ـــــــ عندما نفترض أنّه يكون مرفوعاً بالقاعدة عندما يُفترض أنه ينشأ منه الضرر، أمّا حيث لا ينشا منه الضرر، في هذه الحالة لا مجال لأن يقال يُرفع عنه الحكم وأنّ دليل لا ضرر يكون حاكماً على دليل وجوب الوضوء بالنسبة إليه؛ لأنّه لا يتضرر ـــــــ بحسب الفرض ـــــــ من هذا الحكم، فلا معنى لأن يكون الحكم مرفوعاً عنه؛ بل يبقى الحكم ثابتاً له، والأدلة تشمله وتدل على وجوب الوضوء عليه. ومعنى الحكومة كما قلنا هو أنها ترفع الحكم في موارد الضرر ويبقى الحكم في غير موارد الضرر على حاله مشمولاً للأدلة الأولية، وهذا إنما يُتصوّر عندما يكون الحكم منشئاً للضرر، أمّا حيث لا يكون الحكم منشئاً للضرر كما إذا فرضنا أنّ وجوب الوضوء ليس ضررياً على الشخص، وإن كان ضرراً على الغير، ولنفترض فرضاً أن وجوب الوضوء في زمان معيّن وفي ظرفٍ معيّن يكون ضرراً على معظم المكلفين، لكن هذا الشخص لا يتضرر من الحكم بوجوب الوضوء؛ حينئذٍ ليس معنى القاعدة أنّها ترفع الحكم بالنسبة إليه؛ لأنّ الحكم المرفوع يجب أن يكون منشئاً للتضرر، وهذا الحكم بالنسبة إلى هذا الشخص ليس منشئاً للضرر حتى يكون مرفوعاً على أساس حكومة لا ضرر على أدلة الأحكام الأولية، فيقول: أنّ طبيعة الحكومة تقتضي أن يكون الضرر ضرراً شخصياً، بمعنى أنّ الدليل لا يرفع إلاّ الحكم الذي ينشأ منه الضرر، فهذا الحكم إذا كان ينشأ منه الضرر في حق زيدٍ يُرفع عنه، أمّا إذا كان لا ينشأ منه الضرر في حق زيدٍ، فلا معنى لرفعه، ولا معنى للحكومة، فلابدّ من الالتزام بأنّ الضرر في محل الكلام هو الضرر الشخصي كما ذكر. هذا ما يُفهم من كلام المحقق النائيني(قدّس سرّه) .

لكن هذا الكلام ليس واضحاً، باعتبار أنّ ظاهره كأنه يستدل بمسألة الامتناع، أصلاً يمتنع أن يكون دليل لا ضرر حاكماً على أدلة الأحكام الأولية مع كون المراد من الضرر هو الضرر النوعي، فيتعيّن أن يكون المراد هو الضرر الشخصي . هذا الامتناع ليس واضحاً، لماذا يمتنع حكومة دليل لا ضرر على أدلة الأحكام الأولية مع افتراض أنّ الضرر نوعي ؟ ما هو الفرق بينهما ؟ نتكلّم كامتناع وليس استظهاراً كما سيأتي، ممكن أو محال ؟ نقول هو أمر ممكن، أي محذورٍ في افتراض أنّ لا ضرر تنفي الأحكام الأولية التي ينشأ منها الضرر النوعي، كما يمكن أن يكون الرفع متوجهاً للأحكام التي ينشأ منها الضرر الشخصي يمكن أن نفترض أنّ الشارع يرفع الحكم إذا كان موجباً لتضرر معظم المكلفين، أنّ الشارع هكذا يقول: أنّ بيع الشريك في معظم الحالات هو موجب للضرر؛ ولأنّه في معظم الحالات ينشأ منه الضرر، أنا أرفعه عن الجميع . هذا ليس أمراً محالاً، ويكون رفعه عن الجميع على أساس الحكومة، يعني على اساس أنّ قاعدة لا ضرر تكون رافعة لهذا الحكم الذي ينشأ منه الضرر، غاية الأمر أننا لا نقول ينشأ منه الضرر الشخصي، وإنما ينشأ منه الضرر النوعي، حيث أنّ هذا الحكم يلزم منه الضرر على غالب المكلفين يرفعه الشارع، لكن يرفعه في حق الجميع، وهذا ليس فيه محذور عقلي حتى نقول أنه يمتنع ويستحيل، كلا ليس أمراً مستحيلاً، إذا ساعد عليه الدليل نلتزم به، ولا مشكلة في أنّ الشارع من باب التفضّل يقول أنا أرفع هذا الحكم ـــــــ من أيّ بابٍ كان ـــــــ عن المكلفين إذا كان هذا الحكم موجباً لتضرر معظم المكلفين .

السيد الخوئي(قدّس سرّه) عندما تعرّض لهذا المطلب استدل بهذا الدليل: بأنّ الضرر كسائر العناوين الكلّية إنّما يثبت له الحكم المجعول له في الشريعة عند تحقق مصداقه في الخارج، في كل موردٍ يتحقق مصداق الضرر في الخارج؛ عندئذٍ يثبت له الحكم المجعول له في الشريعة، والحكم المجعول للضرر هو نفي الضرر؛ فحينئذٍ في كل موردٍ يلزم من جعل الحكم تضرر للمكلف؛ حينئذٍ يحكم برفع ذلك الحكم، وفي كل موردٍ لا يتضرر المكلف من جعل الحكم، ليس هناك ضرر خارجي، مصداقه لا يتحقق، يقول: مثل هذا لا يكون الدليل شاملاً له، وهذا معناه أنّ الضرر هو الضرر الشخصي لا الضرر النوعي. فإذن: الحكم بنفي الضرر يدور مدار تحقق الضرر في الخارج، بالنسبة إلى الشخص الذي يُراد إجراء القاعدة في حقّه، إذا تحقق الضرر؛ فحينئذٍ يكون الضرر منفياً ومعناه نفي الحكم الذي كان سبباً في حصول الضرر. أمّا إذا لم يتحقق الضرر وكان جعل الحكم لا يوجب الضرر بالنسبة إلى مثل هذا الشخص، فمثل هذا الضرر لا يكون منفياً، وبالتالي لا يكون الحكم الموجب له منفياً.

الظاهر أنّ مرد كلام السيد الخوئي(قدّس سرّه) إلى قضية استظهارية، يعني لا يريد أن يستدل بالامتناع كما هو ظاهر عبارة المحقق النائيني(قدّس سرّه)، وإنّما يقول أنّ ظاهر الدليل هو أنّ الضرر هو الضرر الشخصي، وذلك باعتبار أنّ الضرر كسائر العناوين الأخرى وسائر الألفاظ الموضوعة للمعاني الحقيقية الواقعية هو له ظهور في فعلية الضرر، فالحديث الشريف عندما يدل على نفي الضرر يكون ظاهراً في نفي الضرر الفعلي، وبعبارة أوضح: عندما يكون الحكم موجباً لتضرر المكلّف فعلاً؛ عندئذٍ يكون الحديث رافعاً لهذا الضرر، ومعنى رفع الضرر هو نفي الحكم الموجب له، لكن عندما يكون الضرر فعلياً . هذا ظاهر الحديث. وهذا لا ينطبق إلاّ عندما يكون الضرر شخصياً؛ لأنّه في موارد الضرر الشخصي يكون الضرر فعلياً، والحكم يكون منشئاً وسبباً لهذا الضرر الفعلي، فيكون منفياً بالقاعدة، فتشمله القاعدة . أمّا في موارد الضرر النوعي قد لا يكون الضرر فعلياً في حق الشخص، فلا يتضرر الشخص من هذا الحكم الشرعي، افتراض شمول القاعدة لحالة من هذا القبيل خلاف ظاهر الحديث؛ لأنّ الضرر في الحديث ظاهر في الفعلية، في الموارد التي لا يكون الشخص فيها متضرراً من جعل الحكم الشرعي، ليس هناك ضرر فعلي حتى يكون منفياً بالحديث، الحديث ينفي الضرر الفعلي، ومعنى الضرر الفعلي هو أنّ جعل الحكم عندما يسبب ضرراً فعلياً يكون مرفوعاً، أمّا عندما يكون جعل الحكم لا يسبب ضرراً فعلياً بالنسبة إلى هذا الشخص، فما معنى أن نرفع الضرر عنه ونرفع عنه الحكم الذي لا يسبب له ضرراً بالفعل ؟! هذا لا يشمله الحديث، فتكون النتيجة هي أنّ الضرر شخصي.

هذا الكلام عندما يُراد به قضية استظهارية له وجهٌ، بالبيان الذي ذكرناه وهو أنّ الضرر ظاهر في الضرر الفعلي كسائر العناوين الأخرى، فعندما يقول لا ضرر يعني هو ينفي ما يكون ضرراً بالفعل، وهذا معناه أنّ جعل الحكم عندما يكون منشئاً للضرر الفعلي يكون مشمولاً للقاعدة، أمّا عندما لا يكون جعل الحكم موجباً للضرر الفعلي في حق شخصٍ لا يكون مشمولاً للقاعدة، فحمله على النوعية، والشأنية هو خلاف الظاهر، ولو تصرّفنا هذا التصرّف؛ حينئذٍ يمكن في سائر الموارد أن نحمله على الشأنية، وكما يقول السيد الخوئي(قدّس سرّه) أنه في باب رفع الخطأ نحمله على الخطأ الشأني وليس الخطأ الفعلي، وفي رفع النسيان نحمله على النسيان الشأني وليس النسيان الفعلي، كل هذا خلاف الظاهر لا يُصار إليه إلا بقرينة وهي غير موجودة في محل الكلام، فإذا كانت المسألة راجعة إلى الاستظهار، فهذا الكلام وجيه، لكن إذا كانت المسألة راجعة إلى باب الاستحالة، أي يمتنع أن يكون الضرر نوعياً، فلا امتناع في أن يكون الضرر نوعياً .

هناك مطلب أيضاً يرتبط بهذا البحث اُشير إليه أيضاً في كلماتهم، بحثوا مسألة أنّ الضرر الذي يوجب رفع الحكم هل هو علّة لهذا الرفع ؟ أو يوجب إثبات حكم؛ لأننا قلنا بناءً على تعميم القاعدة للأحكام الوجودية والأحكام العدمية، وقد يكون موجباً لرفع حكمٍ، وقد يكون موجباً لإثبات حكمٍ . هذا الضرر الموجب لرفع الحكم هل هو علّة لرفع الحكم ؟ أو هو حكمة ؟ فإذا كان الضرر علّة، فهذا معناه أنّ رفع الحكم يدور مداره وجوداً وعدماً، وكلّما كان هناك ضرر؛ حينئذٍ يثبت له الحكم، وإذا انتفى الضرر، فلا يمكن أن يثبت له حكمه، والمقصود بالحكم أعمّ من ثبوت حكم، أو رفع حكم.

بالنسبة إلى هذا البحث، رُبط هذا البحث بالبحث السابق، فذُكر أنّه إذا كان الضرر المنفي في القاعدة هو الضرر الشخصي، فالضرر يكون علّة للحكم يدور مداره وجوداً وعدماً، بحيث إذا كان هناك ضرر، فالحكم ثابت والقاعدة تشمله، وإذا لم يكن هناك ضرر ينتفي الحكم، فيصلح الضرر أن يكون علّة لما جعله الشارع في هذه القاعدة وهو رفع الحكم الضرري، بخلاف ما إذا كان الضرر المنفي في القاعدة هو الضرر النوعي، هنا ينبغي أن يكون الضرر حكمة لا علة؛ لأنّ معنى أنّ الضرر نوعي هو أنّ الحكم قد يثبت في بعض الحالات من دون أن يلزم من جعل الحكم الضرر، فلابدّ أن يكون هذا الضرر بالنسبة إلى الحكم حكمة لا علّة. هنا يُطرح هذا الإشكال في باب الشفعة وفي باب الغبن، بأنّه إذا افترضنا أننا انتهينا إلى نتيجة أنّ الضرر شخصي، وبالتالي يكون علّة للحكم يدور الحكم مداره وجوداً وعدماً ـــــــ والمقصود بالحكم هو رفع الحكم الذي هو حكم في قاعدة لا ضرر ـــــــ فحينئذٍ ما تقولون في حق الشفعة ؟ وفي خيار الغبن أيضاً ؟ في هذين الموردين يثبت بلا إشكال حق الشفعة لكل شريكٍ في دار مطلقاً، سواء كان بيع شريكه لحصته المشاعة يسبب ضرراً له، أو لا يُسبب ضرراً له . وفي خيار الغبن يثبت خيار الغبن للمغبون، سواء تضرر من المعاملة الغبنية أو لم يتضرر ، فكيف يكون هذا علّة، والحال أنّه تخلّف في هذه الموارد ؟!

قد يقال: هنا نلتزم بالتفكيك، بمعنى أنّه في باب خيار الغبن وحق الشفعة نلتزم بأنّ الضرر نوعي، وأنّ الضرر يكون حكمة لا علّة، وفي غيرهما نلتزم بأنه علّة ويكون الضرر شخصياً، فنفكك بين الموارد، وهذا هو منشأ القول بالتفصيل بين المعاملات وبين العبادات، باعتبار أنّ هذا التخلّف موجود في المعاملات كما ذكره الشيخ(قدّس سرّه) في المكاسب.

لكن الأحسن هو الجواب عنه بشكلٍ آخر، وهو أن يقال: أنّ المستند في ثبوت خيار الغبن في المعاملة الغبنية، وفي حق الشفعة في باب الشفعة ليس هو قاعدة لا ضرر حتى يجري هذا الإشكال، وإنّما المستند هو الروايات الخاصة؛ ولذا يتقيّدون الفقهاء بهذه الموارد الخاصة ويثبتون حق الشفعة في هذه الموارد الخاصة لا مطلقاً؛ ولذا خصّوا حق الشفعة بالمساكن والأراضي ولا يجري حق الشفعة في الأواني، أو في قطعة فراش، فلا يثبت حق الشفعة في هذه الأمور، مع أنه لو كان المستند في ثبوت حق الشفعة هو قاعدة لا ضرر لا يُفرّق بين هذه الموارد . من ناحية أخرى كما تقدّم أنهم خصّوا حق الشفعة بما إذا كان الشركاء أثنين فقط، أمّا إذا كان هناك ثلاث شركاء يشتركون في دار لا يثبت حق الشفعة، وهذا كلّه دليل على أنّ المستند في حق الشفعة ليس هو قاعدة لا ضرر؛ لأنه لو كان المستند هو قاعدة لا ضرر، فينبغي عدم التفريق بين هذه الموارد، المستند هو الروايات الخاصة وليست قاعدة لا ضرر، فإذن: يمكن المحافظة على ذاك الظهور الأولي وهو أنّ الضرر في القاعدة هو الضرر الشخصي وأنّ الضرر يكون علّة لرفع الحكم ولا يرِد عليه النقض بمثل حق الشفعة وبمثل خيار الغبن. هذا كلّه يُستند فيه إلى أدلة خاصة، فخيار الغبن يُستند فيه إلى الارتكاز العقلائي أنه هناك شرط ضمني موجود في المعاملة وهو أن لا يكون التفاوت فاحش بين ما يأخذه البائع وبين القيمة الحقيقية للشيء الذي يبيعه، وهكذا بالنسبة إلى المشتري، وليس الدليل هو قاعدة لا ضرر حتى يرِد هذا النقض .


[1] مصباح الأصول، تقرير بحث السيد الخوئي للسيد محمد الواعظ الحسيني، ج2، ص535.