الأستاذ الشيخ هادي آل راضي

بحث الأصول

38/03/18

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

 

الكلام يقع في ما إذا فرضنا أنّ عدم الحكم كان ضررياً، فهل يمكن التمسك بالقاعدة في حديث لا ضرر لإثبات هذا الحكم الذي يكون عدمه ضررياً، أو لا ؟ لا إشكال على ضوء ما تقدم من أنّ الحكم بنفسه إذا كان ضررياً، فالقاعدة تجري لنفيه، وحديث الضرر يمكن التمسك به لنفي ذلك الحكم الذي يكون ضررياً، وإنّما الكلام في ما إذا فرضنا أنّ عدم الحكم كان ضررياً، فهل تجري القاعدة لإثبات ذلك الحكم الذي يكون عدمه ضررياً، أو لا ؟

مثلاً: يُمثل لذلك بأمثلةٍ، من جملتها ما إذا فرضنا أنّ شخصاً حبس شخصاً آخر في مكانٍ معيّن، وفرضنا أنّ ذلك الشخص المحبوس كان كسوباً له عمل، وبالتالي يكون حبسه مانعاً له من عمله . في هذه الحالة يقال: هل يمكن إثبات الضمان ـــــــ سابقاً كنّا ننفي الحكم الذي يكون وجوده ضررياً ـــــــ على أساس أنّ عدم الضمان ضرري بالنسبة إلى المحبوس ؟ يعني أنّ عدم الحكم بإلزام الحابس بالضمان، يكون ضررياً على المحبوس، فهل يمكن إثبات الضمان، باعتبار أنّ عدم الحكم بالضمان يكون ضررياً، فتجري القاعدة لنفي عدم الحكم بالضمان ؟ وهذا معناه إثبات الضمان......وهكذا في أمثلةٍ أخرى لعلّنا نتطرق إليها في ما يأتي . فالكلام في أنّ حديث لا ضرر هل يشمل إثبات الحكم عندما يكون عدمه ضررياً ؟ أو يختص بنفي الحكم عندما يكون وجوده ضررياً ؟

المحقق النائيني(قدس سره)، وكذلك السيد الخوئي(قدس سره) ذهبا إلى عدم الشمول واختصاص الحديث بنفي الحكم الذي يكون وجوده ضررياً. وبناءً على هذا لا يمكن إثبات الضمان ـــــــ مثلاً ـــــــ في المثال الذي ذكرناه تمسكاً بالحديث . قد يمكن إثبات الضمان في هذا المثال وغيره من الأمثلة تمسكاً بوجوهٍ أخرى، قد يقال ـــــــ مثلاً ـــــــ أنه يدخل في قاعدة الإتلاف، هذا الذي يحبس شخصاً ويمنعه من العمل، عندما يكون المحبوس كسوباً، هذا إتلافٌ لمالٍ، كما لو حبس عبداً ـــــــ مثلاً ـــــــ أو فتح باب قفصٍ فيه طائر مملوك لشخصٍ آخر ففرّ هذا الطائر . قد يقال بأنّ الإتلاف يكون متحققاً والضمان يكون لقاعدة الإتلاف، لكن هذا شيء آخر، كلامنا في أنه هل يمكن التمسك بحديث لا ضرر لإثبات الضمان ؟ المحقق النائيني(قدس سره)، يقول لا يمكن التمسك بذلك؛ لأنّ مفاد الحديث هو نفي الحكم الذي يلزم منه إيقاع المكلف في الضرر، الحكم الوجودي عندما يكون ضررياً، القاعدة تدل على رفعه ونفيه، ولا يشمل ما إذا كان عدم الحكم ضرورياً لإثبات نفس ذلك الحكم . والذي يظهر من كلام المحقق النائيني(قدس سره)، في رسالته المختصة بقاعدة لا ضرر، هو الاستدلال على ما ذهب إليه من عدم الشمول بأمرين :

الأمر الأول: دعوى أنّ حديث لا ضرر ناظرٌ إلى أدلة الأحكام الأولية المجعولة في الشريعة المقدّسة ، ويكون مفاد الحديث هو رفع هذه الأحكام عندما تكون ضررية . هذا هو فقط مفاد الحديث . ويقول: أنّ عدم الحكم ليس مجعولاً من قبل الشارع حتى يُرفع بحديث لا ضرر، وبالتالي يثبت نفس الحكم . الأمر ليس هكذا، الأحكام الوجودية مجعولة من قِبل الشارع، والحديث يدلّ على رفع هذا الحكم الوجودي عندما يكون ضررياً ، أمّا في المثال الذي ذكرناه، وغيره من الأمثلة، المطروح في المقام هو عدم الضمان، وهو ليس حكماً مجعولاً من قِبل الشارع حتى يقال أنّ الحديث ناظر ٌإليه، ويكون دالاً على رفعه، فحتى لو فرضنا أنّ عدم الضمان ضرري، الحديث قاصر عن شمول مثل ذلك . الحديث لا يشمل كل ما يكون ضررياً، وإنما هو يشمل الأحكام المجعولة في الشريعة إذا كانت ضررية، ويدل على رفعها، وعدم الحكم ليس حكماً، ولا مجعولاً من قِبل الشارع، حتى يكون الحديث شاملاً له ودالاً على نفي عدم الضمان، ومن الواضح أنّ نفي عدم الضمان يعني ثبوت الضمان . ويقول: أنّ الحديث قاصر عن الشمول لمثل ذلك.

مراده ظاهراً من هذا الكلام هو أنّ مجرّد عدم الحكم حتى في المورد القابل لذلك الحكم لا يُعد عرفاً من الأحكام المجعولة من قِبل الشارع حتى يكون الحديث ناظراً إليه، وهو فَرَض أنّ الحديث ناظر إلى الأحكام المجعولة في الشريعة المقدّسة، ودال على نفي هذه الأحكام عندما تكون ضررية . وعليه: فالحديث يكون فيه قصور عن الشمول لمثل لذلك، ويختص بما إذا كان الحكم بنفسه ضررياً، ويدل الحديث على نفي ذلك الحكم الضرري . هذا هو الدليل الأول للمحقق النائيني(قدس سره) لمنع الشمول.

أجيب عنه: بأنه غير تام على جميع المباني في تفسير حديث لا ضرر ، ويمكن أن يقال بأنّ عدم الحكم مجعولٌ ومستندٌ إلى الشارع، وبالتالي يمكن أن يكون الحديث شاملاً له. في تفسير الحديث هناك مبانٍ، من جملة هذه المباني هو المبنى الذي يبني عليه المحقق النائيني(قدس سره). ومن جملة هذه المباني ما تقدّم نقله سابقاً عن بعض الأعلام من أنه عبارة عن نفي التسبيب إلى تحمل الضرر. ومن جملة هذه المباني أنّه عبارة عن نفي الأضرار الخارجية، غاية الأمر أنّ هناك قرينة تدلّ على أنّ المقصود ليس مطلق الأضرار الخارجية، وإنما الأضرار الخارجية المرتبطة بالشارع، هذا أشبه بالقرينة المتصلة بالحديث التي توجب تقييده بخصوص الأضرار الخارجية المرتبطة بالشارع وتنشأ من جهته . على كل هذه المباني هذا الدليل لا يكون تامّاً. مثلاً: بناءً على أنّ معناه هو عدم التسبيب إلى تحمّل الضرر، بمعنى أنّ الشارع لا يكون سبباً لإيقاع المكلّف في الضرر، فمعنى لا ضرر هو أنّ الشارع لا يكون سبباً لتحمّل الضرر، وهذا معناه أنّ الحديث ينفي وجود ضرر منتسب إلى الشارع، لكن ينفي وجود ضرر ينتسب إلى الشارع بما هو شارع . هذا المعنى للحديث كما يصدق في موارد جعل الحكم إذا كان ضررياً، كذلك يصدق في حالة عدم جعل الحكم إذا كان ضررياً، في موارد جعل الحكم إذا كان ضررياً، واضح أنه هنا يقال بأنّ الشارع صار هو السبب في إيقاع المكلّف في الضرر؛ لأنّه جعل حكماً ضررياً، فصار سبباً في تحميل المكلّف للضرر، فيكون منفياً بالحديث الشريف؛ لأنّ الحديث يقول: (لا ضرر) يعني ينفي أن يكون هناك ضرراً منتسباً إلى الشارع، فجعل الحكم الضرري يكون مشمولاً لهذا الحديث الشريف . كذلك في حالة عدم جعل حكم، في بعض الأحيان عدم جعل الحكم من قِبل الشارع يُعدُ بنفسه تسبيباً من قِبل الشارع في تحميل المكلف للضرر .

إذن: معنى الحديث إذا كان هو نفي التسبيب من قِبل الشارع وتحميل المكلف للضرر، لا يُفرّق بين جعل حكم ضرري وبين حالة ما إذا كان عدم جعل الحكم يعتبر ضررياً ويكون تسبيباً لتحميل المكلف للضرر، التسبيب متحقق في كل منهما، جعل الحكم الضرري تسبيب، وعدم جعل الحكم في بعض الموارد أيضاً يكون تسبيباً لتحميل المكلف للضرر، فإذن: هذا المعنى يصدق في كلتا الحالتين ولا موجب لتخصيصه بخصوص الحالة الأولى؛ بل هو يشمل حتى الحالة الثانية. مثلاً: عدم وجوب الإنفاق على الزوجة، الشارع لا يجعل وجوب الانفاق على الزوجة وهي محتاجة وفقيرة، والشارع أيضاً في نفس الوقت يمنعها من الاكتساب إذا كان ذلك منافياً لحق الزوج، عدم جعل وجوب الإنفاق عليها هو تسبيب لتحميلها الضرر، فيُعدّ عدم جعل وجوب الإنفاق تسبيباً لإيقاع هذه المرأة في الضرر، والحديث يقول لا يوجد هناك ضرر منتسب إلى الشارع، الشارع لا يكون سبباً في تحميل الضرر على المكلفين ، هذا لا يُفرّق فيه بين جعل حكمٍ ضرري وبين عدم جعل حكم يكون في بعض الأحيان تسبيباً لتحميل المكلف للضرر، في كلٍ منهما يكون منفياً، فجعل الحكم إذا كان ضررياً يكون منفياً، وهذا مسلّم، عدم وجوب الإنفاق أيضاً يكون منفياً، ومعنى نفي عدم وجوب الإنفاق هو ثبوت وجوب الإنفاق؛ فحينئذٍ لا مشكلة في التمسك بالحديث بناءً على هذا التفسير لإثبات شموله لكلتا الحالتين وعدم تخصيصه بحالة ما إذا كان الحكم الشرعي ضررياً، وإنّما هو يشمل حتى ما إذا كان عدم الحكم الشرعي أيضاً تسبيباً لتحميل المكلف للضرر . هذا لا يُفرّق فيه بين أن يصدق الحكم على عدم الحكم وبين أن لا يصدق عليه، لنفترض أنّ عدم الضمان ليس حكماً من قِبل الشارع؛ لأن الحكم لا يوجد في متن القاعدة حتى نقول أنّ عدم الضمان ليس حكماً، فحتى لو افترضنا أنّ عدم الضمان ليس حكماً من قِبل الشارع، لكن أليس هو تسبيب إلى تحميل المكلف للضرر ؟ أنّ الشارع في هذه الحالة بعدم جعل وجوب الإنفاق في مثال الزوجة يكون قد صار سبباً لإلحاق الضرر بها، والحديث ينفي أن يكون هناك ضرر منتسب إلى الشارع، فيكون الحديث شاملاً لكل منهما ......وهكذا في سائر الأحكام الأخرى إذا فُرض أنّ عدم جعل الحكم ولا يكون دائمياً، في كثير من الأحيان وفي حالات معينة يعتبر تسبيباً من قِبل الشارع لتحميل المكلف للضرر .

بناءً على تفسيره بالتفسير الآخر الذي تقدّم ذكره أيضاً سابقاً، وهو أن يقال أنّ مفاد الحديث هو نفي الأضرار التكوينية الخارجية، غاية الأمر أنه يخرج من هذا الحديث الأضرار التكوينية الخارجية التي لا ربط لها بالشارع، وهذا باعتبار أنّ هناك قرينة متصلة، واضح أنّ هذا الكلام عندما يصدر من الشارع وينفي الأضرار التكوينية الخارجية هو ينفي هذه الأضرار التي تكون مرتبطة به، أمّا الأضرار التكوينية الخارجية غير المرتبطة بالشارع، الحديث لا يكون ناظراً إليها . فهنا تكون الأضرار التكوينية الخارجية غير المرتبطة بالشارع خارجة من إطلاق الحديث، باعتبار هذه القرينة المتصلة بهذا الحديث، باعتبار صدوره من قِبل الشارع بما هو شارع، فيكون مفاد الحديث هو نفي الأضرار التكوينية الخارجية المرتبطة بالشارع، وهذا لا يُفرّق فيه بين الحالة الأولى، وهي ما إذا كان جعل الحكم ضررياً، وبين ما إذا كان عدم جعل الحكم من قِبل الشارع ضررياً، في كلٍ منهما هناك ضرر تكويني خارجي مرتبط بالشارع، أمّا كيفية ارتباطه بالشارع، مرّة يكون باعتبار أنّ الشارع جعل حكماً ضررياً، فأوقع المكلّف في الضرر، هذا يكون منفياً بالحديث . ومرّة يكون بعدم جعل الحكم، الشارع عندما لا يجعل وجوب الإنفاق في المثال السابق، هذا يوقع المرأة في ضرر خارجي تكويني، وهذا مشمول للحديث بإطلاقه؛ لأنّ الخارج من الحديث هو فقط الأضرار التكوينية الخارجية غير المرتبطة بالشارع، وأمّا ما عدا ذلك فهو مشمول لإطلاق الحديث من دون فرقٍ بين أن يكون الضرر التكويني الخارجي ناشئ من جعل حكم يلزم منه الضرر، أو يكون ناشئاً من عدم جعل الشارع لحكم يوقع المكلّف في الضرر التكويني الخارجي، الحديث ينفي كل ضرر تكويني خارجي مرتبط بالشارع، وعدم وجوب الإنفاق يوقع المرأة في الضرر التكويني الخارجي وهو مرتبط بالشارع؛ لأنّه نشأ من عدم جعل وجوب الإنفاق على الزوج، فيكون مشمولاً أيضاً لهذا الحديث ولا يوجد في الحديث ما يوجب إخراج هذا النحو الثاني وإبقاء الأول داخلاً فيه، فيكون مقتضى إطلاق الحديث هو شموله لكلتا الحالتين .

وأمّا بناءً على مسلك المحقق النائيني(قدّس سرّه) في تفسير الحديث، هو يرى أنّ مفاد الحديث هو نفي الحكم الضرري، المحقق النائيني(قدّس سرّه) يرى بأنّ الحديث باعتبار أنه صادر من الشارع بما هو شارع هو قرينة على أنه لا يكون ناظراً إلى الأضرار التكوينية الخارجية، ويُفسّر الحديث على أنّ النفي فيه نفي تشريعي، بمعنى أنّ الشارع لا يشرّع حكماً يلزم منه إيقاع المكلف في الضرر. هذا أيضاً يمكن بأن يقال : نحن لا نتقيّد بنفس الحكم حتى يقال بأنّ الحكم لا يصدق على عدم وجوب الضمان، وإنما يصدق على وجوب الضمان، الحكم ليس مذكوراً في الحديث، ليس فيه ما يشير إلى التقيّد بالحكم أو الجعل حتى نقول بأنّ عدم الضمان ليس حكماً ولا جعلاً ولا مجعولاً من قِبل الشارع، وإنّما الذي يقال هو أنّ معنى الحديث هو النفي التشريعي، بمعنى أنّ الشارع في مقام التشريع لا يوقع المكلّف في الضرر، وهذا المعنى يمكن أن يشمل الحالة الأولى ويمكن أن يشمل الحالة الثانية، النفي التشريعي كما يصدق في حالة كون الحكم الشرعي ضررياً، كذلك يصدق أيضاً في حالة كون عدم الحكم الشرعي ضررياً، بالنتيجة، الشارع إمّا بتشريعه الحكم هو أوقع المكلّف في الضرر، أو بعدم تشريعه الحكم أوقع المكلّف في الضرر، بالنتيجة هذا كلّه يدخل في عالم التشريع لا في عالم التكوين، وبالتالي يمكن أن يقال أنّ النفي التشريعي يشمل كلتا الحالتين، ففي الحالة الأولى يُنفى الحكم إذا كان يلزم من وجوده الضرر، وفي الحالة الثانية أيضاً عدم الحكم إذا كان ضررياً أيضاً يكون منفياً بالحديث الشريف، في كلٍ منهما يمكن جعل الحديث شاملاً له ولا داعي لتخصيصه بالأول، النفي التشريعي يعني أنّ الشارع لا يصدر منه شيء يوجب إيقاع المكلّف في الضرر، هذا يمكن تعميمه لأن يمكن أن يصدر منه حكم ضرري يوقع المكلّف في الضرر ولأن لا يصدر منه حكم يوقع المكلّف في الضرر، لا يصدر منه حكم، لا يوجب الإنفاق على الزوج مع أنّ الزوجة معدمة وفقيرة مع إلزامها بعدم الاكتساب؛ لأنه ينافي حقوق الزوج ــــــ مثلاً ـــــــ فهذا عدم التشريع معناه أنّ الشارع في عالم التشريع هو لم يشرّع حكماً، وهذا عدم التشريع أوجب إيقاع المكلّف في الضرر، فالنفي التشريعي يشمل كلاً منهما . بناءً على هذا الكلام؛ حينئذٍ هذا الوجه الأول الذي ذكره المحقق النائيني(قدّس سرّه) لا يكون تامّاً على كل المباني في تفسير حديث لا ضرر ولا داعي لتخصيص الحديث بخصوص ما إذا كان الحكم بوجوده ضررياً؛ بل هو يشمل عدم الحكم إذا كان ضررياً، ويدل الحديث على نفي كلٍ منهما، نفي الحكم الوجودي الضرر، ونفي عدم الحكم إذا كان ضررياً، وقلنا أنّ نفي عدم الحكم الضرري لازمه إثبات نفس الحكم، وبالتالي الحديث كما يتكفل نفي الحكم الضرري يتكفل إثبات الحكم عندما يكون عدمه ضررياً .

الدليل الثاني: الذي ذكره المحقق النائيني(قدّس سرّه) هو أنّ القول بشمول الحديث للأحكام العدمية، كعدم وجوب الضمان، وعدم وجوب الإنفاق وأمثاله، يلزم منه أن نلتزم بالضمان في هذا المثال؛ لأنّ عدم الضمان ضرري، فيُنفى بالقاعدة، فيثبت الضمان، فلابدّ من الالتزام بالضمان في هذا المثال، وهذا معناه أن يكون مفاد الحديث نفي الضرر غير المتدارك، باعتبار أنّ الحكم بالضمان في هذا المثال، إنّما هو لتدارك الضرر الواقع على المحبوس من الحابس، فإذن: لابدّ أن نفسّر الحديث بهذا التفسير الذي ذهب إليه الفاضل التوني، على ما تقدّم في بداية هذا البحث، وهو أنّ معنى الحديث هو نفي الضرر غير المتدارك، أنّ الشارع يقول لا يوجد ضرر غير متدارك، كل ضرر هو متدارك . بناءً على هذا الحديث؛ حينئذٍ يثبت الضمان في المثال . يقول: وقد تقدّم سابقاً أنّ هذا المسلك في تفسير الحديث هو أردأ الوجوه في تفسير الحديث الشريف، وتقدّم سابقاً بطلان هذا المسلك، وأنّ هذا التفسير ليس صحيحاً، وأنّ الصحيح هو نفي الضرر وليس تدارك الضرر، وهناك فرق بين النفي وبين التدارك، والضمان هو تدارك للضرر وليس نفياً للضرر، فإذا فسّرنا الحديث بالتدارك، أمكن الاستدلال به على إثبات الضمان في المقام، أمّا إذا فسّرناه بنفي الضرر، كما هو رأيه( نفي الحكم الضرري) وليس تدارك الضرر، نفي الضرر من جهة الشارع، فلا يمكن إثبات الضمان تمسكاً بهذا الحديث؛ لأنّ مفاد الحديث هو نفي الضرر وليس تدارك الضرر، نفي الضرر لا نستطيع أن نثبت به الضمان؛ لأنّ الضمان تدارك للضرر وليس نفياً للضرر .