الأستاذ الشيخ هادي آل راضي

بحث الأصول

36/11/21

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ قاعدة الميسور.

في الدرس السابق نقلنا كلاماً للمحقق الأصفهاني (قدس سره)، وكان حاصله هو دعوى أنّ(من) ليست موضوعة للتبعيض بعنوانه، يعني ليست موضوعة للتبعيض بالمعنى الذي لا يناسب الكلي وفرده، وإنما هي موضوعه لمعنىً يناسب الكلّي وفرده، كما يناسب الكل وجزئه، وهو الاقتطاع، تدلّ على اقتطاع مدخولها عن متعلقه، وهذا المعنى كما يناسب الكل والجزء، كذلك يناسب الكلّي والفرد، باعتبار أن الكلّي أيضاً له نحو إحاطة وشمول بأفراده؛ لأن الكلّي يشمل ما يُستطاع من أفراده وما لا يُستطاع، المُستطاع من أفراده يكون مقتطعاً من هذا الكلّي، فيصدق الاقتطاع بهذا المعنى حتى على الكلّي وفرده.

يظهر من هذا الكلام أنه لا يرضى بفكرة أنّ التبعيض بمعناه الخاص يصدق في باب الكلّي وفرده، يرى أن التبعيض بعنوانه كما عبّر، مختص بالمركب مع أجزائه، غاية الأمر أنه يوسّع ويقول أن(من) موضوعة للاقتطاع، لكن التبعيض بعنوانه يختص بالمركب مع أجزائه، فلا يشمل الكلي مع أفراده، وإن كان يظهر من عبارة للسيد الخوئي(قدس سره) أن الفرد بعض من الطبيعة، كما أن الجزء بعض من الكل ومن المركب، الفرد أيضاً بعض من الطبيعة؛ ولذا يقول: كما أن(من) في قولنا (اشتريت الكتاب نصفه) للتبعيض، كذلك حينما نقول (لا أملك من البستان إلا واحداً)[1] هنا أيضاً للتبعيض، وفي المثال الأول التبعيض بلحاظ الأجزاء وفي المثال الثاني التبعيض بلحاظ الأفراد، كأنه لا يرى أن التبعيض الذي هو معنى(من) يختص بالكل مع أجزائه؛ بل يشمل حتى الكلي مع أفراده. على كل حال يظهر من المحقق الأصفهاني(قدس سره) أنه لا يرى ذلك، لكنه ذكر ما ذكره كما بينّا.

هذا الكلام الذي ذكره المحقق الأصفهاني(قدس سره)، أول ملاحظة عليه: هو أنه ليس هناك وضوح في أنّ (من) موضوعة للاقتطاع، المصرح به هو أنها موضوعة للتبعيض، ودعوى أنها موضوعة للتبعيض لا بعنوانه، أي التبعيض بمعنى عام يشمل الكلي وأفراده تحتاج إلى إثبات، الظاهر من كون(من) تبعيضية أنها موضوعة للتبعيض بعنوانه الذي ــــــــــ بحسب الفرض ـــــــــــ لا يصدق إلا على الكل وجزئه، ولا يصدق على الكلي مع أفراده. على كل حال هذه الدعوى غير واضحة، ويمكن التشكيك فيها.

الشيْ الآخر الذي يمكن أن يقال هو: ما هو المقصود بهذا الكلام ؟ تارة يكون المقصود به إثبات إمكان شمول هذه الفقرة لمورد الرواية الذي هو الكلي مع أفراده، مورد الرواية هو الحج في هذه السنة والحج في السنة القادمة، والتي بعدها و.....هكذا، السؤال عن تكرار الحج في السنين، فهو بمثابة الكلي مع أفراده، إذا كان الغرض من هذا الكلام هو إثبات إمكان شمول فقرة الاستدلال للمورد باعتبار أن (من) لها معنى ينسجم مع الكل وجزئه، وينسجم مع الكلي وفرده، إذا كان هذا هو المقصود، فهذا وحده لا يكفي لإثبات الشمول للكل وجزئه وللكلي وفرده حتى يقال أنّ الفقرة تشمل المورد وفي نفس الوقت تدل على قاعدة الميسور، هذا لا يمكن؛ لأنه إما أن يُراد بها الكلي وفرده، فتشمل المورد فقط ولا يصح الاستدلال بها في محل الكلام على قاعدة الميسور، أو أنها تكون مختصة بالكل وجزئه، فلا تكون شاملة للمورد؛ لأنّ المُدّعى هو أنّ معنى (من) يناسب الكلي وفرده ويناسب الكل وجزئه، صِرف المناسبة لا يُعيّن أنّ (من) يُراد بها الكل وجزئه حتى يصح الاستدلال بها، بل يمكن أن يقال بقرينة المورد لابد أن تُحمل على المعنى الذي يناسب المورد، والمعنى الذي يناسب المورد هو الكلي وفرده؛ وحينئذٍ لا يصح الاستدلال بها في محل الكلام، فإذا كان المقصود من هذا الكلام هو إثبات صحة الاستدلال بالرواية في محل الكلام على قاعدة الميسور باعتبار أنّ لها معنىً يناسب كلاً منهما، وإن كان لا يتعيّن بالكل وجزئه، فجوابه أنّ قرينة المورد تعيّن حمل(من) على المعنى الذي يناسب المورد، والذي يناسب المورد هو الكلي وفرده، ومعه لا يصح الاستدلال بهذه الرواية على قاعدة الميسور.

وأما إذا كان الغرض شيئاً آخر ــــــــــ كما هو ظاهر عبارته ـــــــــــ هو لا يريد إثبات ذلك، وإنما يريد إثبات أنّ الفقرة تشمل كلا الموردين، يعني تشمل مورد الرواية وتشمل محل الكلام، الكل وجزئه والكلي وفرده بالإطلاق، باعتبار أنّ(من) يُراد بها معنىً عام شامل لكل منهما، شامل للكلي وفرده وشامل أيضاً للكل وجزئه، فيصح الاستدلال بها تمسّكاً بالإطلاق، إذ المراد بها معنى الاقتطاع، والاقتطاع يشمل كلاً منهما، وكأنه يقول: الرواية تشرع الاقتطاع مطلقاً، سواء كان اقتطاعاً من الكل بلحاظ أجزائه، أو اقتطاعاً من الكلي بلحاظ أفراده، إذا أمرتكم بشيءٍ، فأتوا منه ما تستطيعون[2] ، بلحاظ الأفراد صحيح، وبلحاظ الأجزاء أيضاً يجب عليكم الإتيان بالأجزاء التي تستطيعونها، فيصح الاستدلال بالرواية على قاعدة الميسور، كما أنها تشمل المورد، فهي تعم كلا الأمرين الكلي وفرده والكل وجزئه، فيصح الاستدلال بها وتشمل المورد.

إذا كان هذا هو الغرض، فجوابه:

أولاً: ـــــــــ لعلّه أشار إليه في عبارته ـــــــ أنّ هذا يتوقف على الالتزام بأنّ وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب لا يمنع من الإطلاق، وأما إذا قلنا بأنّ القدر المتيقن في مقام التخاطب يمنع من الإطلاق؛ فحينئذٍ لا يصح التمسك بالإطلاق في المقام؛ وذلك لوضوح أنّ المتيقن بلحاظ المورد هو الكلي وفرده لا الكل وجزئه، وهذا القدر المتيقن في مقام التخاطب بلحاظ المورد يمنع من التمسك بالإطلاق. نعم، إذا لم نلتزم بذلك، وقلنا أنّ القدر المتيقن في مقام التخاطب لا يمنع من التمسك بالإطلاق يصح هذا الكلام. إذن: هو يتوقف على الالتزام بأنّ وجود القدر المتيقن في مقام التخاطب لا يمنع من التمسك بالإطلاق.

ثانياً: إنّ شمول الفقرة لمورد الرواية، مع فرض أنّ(من) للتبعيض فيه لازم باطل لا يمكن الالتزام به، واشرنا إليه سابقاً، وليس فقط لا يمكن الالتزام به في حدّ نفسه، وإنما باعتبار أنه يخالف صدر الرواية، وهذا اللازم الباطل هو: شمول الرواية للمورد مع افتراض أنّ(من) للتبعيض لازمه أنه يجب تكرار الحج في كل سنة بالمقدار الممكن، وعدم الاكتفاء بالحج لمرة واحدة؛ باعتبار أنّ معنى الجملة بناءً على هذا الكلام سوف يكون: إذا أمرتكم بشيءٍ ـــــــــــ أعم من أن يكون كل أو أن يكون كلي ــــــــــ فأتوا منه ــــــــــ من للتبعيض بحسب الفرض، والتبعيض يُراد منه معنى يشمل حتى الكلي وفرده ــــــــــ ما استطعتم. يعني يجب عليكم الإتيان بالمقدار المستطاع من ذلك الشيء، فإذا كان الشيء كل، فيجب عليكم الإتيان بأجزائه المستطاعة وهي قاعدة الميسور. أما إذا كان الشيء كلّي له أفراد، فيكون معنى الرواية: فيجب عليكم الإتيان بأفراده المستطاعة، فإذا استطاع في أول سنة يجب عليه الحج، وإذا استطاع في السنة الثانية أيضاً يجب عليه الحج. نعم، إذا لم يستطع لا يجب عليه الحج، لكن الأفراد التي يتمكن منها ويستطيع الإتيان بها تكون واجبة حينئذ، على غرار الأجزاء، كيف أن الرواية عندما شملت الكل وجزئه، دلّت على وجوب الأجزاء المستطاعة، إذا شملت الكلي وأفراده أيضاً تدل على وجوب الأفراد المستطاعة، وهذا معناه وجوب التكرار، وعدم الاكتفاء بالحج مرة واحدة، وهذا مما لا يمكن الالتزام به في حدّ نفسه؛ لأنه خلاف الإجماع والأدلة. ومن جهةٍ أخرى هو خلاف صدر الرواية؛ لأنّ صدر الرواية صرّح، وقال السائل: أفي كل عام يا رسول الله ؟ قال: ويحك، لو قلت نعم، لوجب، ولو وجب لما استطعتم[3] [4] ، ـــــــــــــ وفي بعض النسخ ــــــــــــ ولو تركتم لكفرتم. إذن: هو ينفي وجوب تكرار الحج في صدر الرواية، فكيف يثبت وجوب تكرار الحج في الفقرة التي جاء بها في مقام الاستدلال على ما ذكر، فإذن: لا يمكن الالتزام بشمول الرواية للمورد مع كون (من) تبعيضية؛ لأن هذا يلزم منه لازم لا يمكن الالتزام به.

بناءً على هذا الكلام؛ حينئذٍ قد يقال: لابدّ أن يُراد بـــ(من) معنىً آخر غير التبعيض؛ لأننا نواجه مشكلة في التبعيض، التبعيض بمعناه الحقيقي لا ينطبق على المورد، وإخراج المورد مستهجن عرفاً، فحمل(من) على التبعيض بمعناه الحقيقي فيه هذه المشكلة. وحملها على معنىً عام كما ذكر فيه هاتين الملاحظتين، أولاً: لم يثبت أن المراد به هذا المعنى، وثانياً: إنّ تطبيقها على المورد فيه لازم باطل لا يمكن الالتزام به، فتبيّن مما ذكرناه: أنّ حمل (من) على ظاهرها وهو التبعيض بعنوانه ــــــــــ كما عبّر المحقق الأصفهاني(قدس سره) ـــــــــ فيه مشكلة، وهي أنه لا يمكن تطبيقه على المورد. هذه هي المشكلة التي تواجهنا.

قد يقال في المقابل: من الممكن أن نفسّر الفقرة في الرواية بتفسيرٍ آخر يختلف عمّا تقدّم سابقاً، وذلك بالتركيز على هذه القضية، ذكروا بأن الفعل(فأتوا) الإتيان لا يتعدى إلى المأتي به بنفسه، فلا يقال(أتيت الكتاب)، إذا كان الكتاب مأتياً به، وإنما يقال(أتيت بالكتاب)، فهو يتعدّى بالباء ولا يتعدى إلى المأتي به بنفسه. بناءً على هذا، (ما) في الفقرة حينئذٍ لا تكون أسماً موصولاً، وذلك لما تقدم من أنّ(ما) إذا كانت موصولة تكون مفعولاً به لـــــ(فأتوا)، وهذا معناه أنّ(فأتوا) يتعدى إلى مفعوله بنفسه من دون باء، والمفروض أن هذا غير جائز؛ لأنّ الإتيان لا يتعدى إلى المأتي به إلا بالباء، مع وضوح أنّ(ما) إذا كانت مفعولاً به تكون مأتياً به، إذن: لابد أن تكون (ما) في الفقرة مصدرية. إذا كانت(ما) في الفقرة مصدرية؛ حينئذٍ ينتفي احتمال كون(من) بيانية؛ لأننا سوف نقع في نفس المحذور؛ لأنّ لازم كون(من) بيانية هو أن يتعدّى الفعل إلى المأتي به بنفسه،(فأتوا منه) يعني فأتوه إذا كانت(من) بيانية، وبناءً على ما ذُكر من أن الإتيان يتعدّى إلى المأتي به بالباء؛ حينئذٍ يتوجّه احتمال أن تكون(من) بمعنى الباء، و(ما) ليست هي المفعول به، وإنما تكون ظرفية مصدرية؛ حينئذٍ يكون معنى الجملة كالآتي: إذا أمرتكم بشيءٍ، فأتوا به، لأن (من) بمعنى(الباء)، فتعدّى الإتيان إلى المفعول به بواسطة الباء على القاعدة، فأتوا به في ظرف الاستطاعة، أو ما دمتم مستطيعين، بناءً على هذا المعنى حينئذٍ تكون القاعدة أجنبية عن محل الكلام، ويمكن أن يُفهم منها أن هذه إشارة إلى أن كل تكليف، مهما كان هذا التكليف لا يلزم امتثاله بأكثر من القدر المستطاع، والمقصود بالاستطاعة في المقام كما هو واضح ليست الاستطاعة العقلية، وإنما المقصود بالاستطاعة هي نفس الاستطاعة المذكورة في صدر الرواية عندما قال:(لو قلت نعم، لوجب، ولو وجب لما استطعتم) والمقصود بلو وجب، هو الحج في كل عام، ومن الواضح أن الحج في كل عام مقدور عقلاً وليس محالاً عقلاً، فالمقصود هو الاستطاعة العرفية، يعني الاستطاعة التي ليس فيها مشقة وحرج، وهذا هو المناسب لما تقوله الرواية(ولو تركتم لكفرتم)؛ إذ من الواضح أن الترك غير المقدور لا يوجب الكفر، إذا كان المقصود بالاستطاعة هي الاستطاعة العقلية، (لو وجب لما استطعتم) أي لكنتم غير قادرين عقلاً، ما معنى أن يقول(لو تركتم لكفرتم) ؟ الكفر لا يترتب على غير المقدور عقلاً، وإنما يترتب على غير المقدور عرفاً، بمعنى(إذا قلت لكم يجب عليكم الحج في كل عام فيه مشقة وحرج عليكم، ولو أوجبت ذلك، لما استطعتم) يعني لكان في ذلك حرج ومشقة عليكم، ولو تركتم لكفرتم، يعني لو أوجبته عليكم، وبعد أن أوجبه عليكم ويثبت في الشريعة؛ حينئذٍ تركه يؤدي إلى العناد والتمرّد، والعناد والتمرّد قد يؤدي إلى الكفر بمعنى من معاني الكفر.

فإذن: المقصود بالاستطاعة في صدر الرواية لا يُراد بها الاستطاعة العقلية، وإنما يُراد بها الاستطاعة في مقابل المشقة، هناك تكليف مستطاع مقدور، يعني ليس فيه مشقة، وهناك تكليف غير مستطاع، يعني فيه مشقة وحرج، الظاهر أنّ المقصود بالاستطاعة في فقرة الاستدلال هي نفس الاستطاعة السابقة، عندما يقول(فأتوا منه ما استطعتم) هو هذا المعنى الذي ذكرناه في قوله(إذا أمرتكم بشيءٍ، فأتوا به في ظرف الاستطاعة، أو ما دمتم مستطيعين) يعني قادرين عليه بلا مشقة وبلا حرج، يجب عليكم الإتيان به، أنا لا أكلفكم ما هو أكثر من المقدار المستطاع لكم، أنتم لستم ملزمين بامتثال التكاليف بأكثر من المقدار المستطاع، فيكون هذا هو معنى هذه الفقرة، وبناءً على هذا الكلام؛ حينئذٍ تكون الرواية أجنبية عن محل الكلام. ويمكن أن تشمل المورد وحتى الكل مع جزئه، ولا مشكلة في هذا؛ لأن هذا معنىً عام وواسع، هو ينظر إلى عدم تكليف المكلفين بالامتثال أكثر من المقدار المستطاع. أما كيف يتحقق الامتثال ؟ وما هو المقدار المستطاع الذي يجب معه الامتثال في نظر الشارع ؟ هذا متروك لدليل التكليف نفسه، ماذا يقول دليل التكليف؟ مرة يكتفي دليل التكليف بفردٍ واحدٍ، وهو إذا كان الواجب مأخوذاً على نحو صرف الوجود، ومرّة دليل التكليف يقول لابد من التكرار، كما إذا كان الواجب هو مطلق الوجود، هذا يختلف باختلاف دليله، فلابدّ من ملاحظة الدليل، كل تكليفٍ سواء كان بكلي، أو كان بجزئي، كلي على نحو مطلق الوجود، كلي على نحو صرف الوجود، الشارع لا يكلفنا به فوق القدر المستطاع. وأما أنه كيف يتحقق الامتثال، فهذا تابع لدليل التكليف، فالرواية حينئذٍ تكون في مقام تأسيس هذه القاعدة وتكون أجنبية عن محل الكلام، ولا يصح الاستدلال بها في محل الكلام الذي هو عبارة عن قاعدة الميسور.

ذكرنا أن السيد الخوئي(قدس سره)[5] ذكر عبارة يُفهم منها أنه لا يرى بأساً في تطبيق التبعيض بمعناه الحقيقي على الكلي وأفراده؛ لأن التبعيض يصدق حتى على الكلي مع أفراده، فضلاً عن الكل مع أجزائه، ويقول أن الفرد بعض من الطبيعة، فيمكن أن تكون(من) تبعيضية إذا آمنا بهذه الفكرة؛ وحينئذٍ نتخلّص من الإشكال السابق وهو عدم انطباق الوارد على المورد، فيقول أن الوارد ينطبق على المورد؛ لأنّ(من) للتبعيض بعنوانه، والتبعيض بعنوانه يشمل كلا الموردين، وتكون في الرواية حينئذٍ إشارة إلى أنه يجب الإتيان بالأجزاء المستطاعة من الكل، ويجب الإتيان بالأفراد المستطاعة من الكلي؛ وحينئذٍ إذا تمسكنا بإطلاقها يصح الاستدلال بها على محل الكلام لإثبات قاعدة الميسور.

كلام السيد الخوئي(قدس سره) ليس واضحاً كفاية في ما هو مقصوده من هذا، ولعلّه لا يريد هذا المعنى، وإنما يريد أن يثبت فقط إمكانية أن تكون(من) للتبعيض بلحاظ الأجزاء وللتبعيض بلحاظ الأفراد، لكن قلنا أنّ هذا وحده لا يكفي في محل الكلام؛ لأننا سنعيّن أن التبعيض ـــــــــ إذا صحت فكرة أن التبعيض بعنوان يصدق بلحاظ الكلي وأفراده ـــــــــ بلحاظ الكلي وأفراده بقرينة المورد؛ وحينئذٍ لا يصح الاستدلال بالرواية. لعلّ هذا هو مقصوده، وهذا كلام صحيح، بمعنى أنه إذا قلنا بأن(من) تصلح أن تكون للتبعيض بلحاظ الكلي وفرده، وللتبعيض بلحاظ الكل وجزئه، ونحن نعيّن أن المراد بها هو التبعيض بلحاظ الكلي وفرده بقرينة المورد؛ وحينئذٍ لا يصح الاستدلال بها في محل الكلام. هذا كلام صحيح، لكن أصل فكرة أن التبعيض يمكن أن يصدق بمعناه الحقيقي بلحاظ الكلي وفرده، وأن الفرد بعض من الطبيعة بحيث يكون حاله حال الكل وجزئه، كما أنّ الجزء بعض من المركب الفرد بعض من الطبيعة، هذا ليس واضحاً، فالفرد ليس بعضاً من الطبيعة، وإنما هو مصداق للطبيعة، الجزء ليس مصداقاً للكل، وإنما هو بعض من الكل، نعم، بضرب من المسامحة يمكن فرضه كما فرضه المحقق الأصفهاني(قدس سره)، لكنه خلاف الظاهر، الفرد ليس جزءً من الطبيعة، هو فرد من الطبيعة ومصداق لها وليس جزءً من الطبيعة، بينما الجزء هو جزء من الكل، ومن هنا شمول التبعيض للكلي وأفراده مشكل، والإشكال السابق باقٍ على حاله؛ وحينئذٍ هذا الذي ذكرناه أخيراً ــــــــــ إذا تمّ ـــــــــــ تنحل به المسألة، بمعنى أنّ الرواية تكون أجنبية عن محل الكلام، ولا يصح الاستدلال بها في محل الكلام.


[1] موسوعة الامام الخوئي، ج47، ص555.
[2] جواهر الكلام، الشيخ محمد حسن النجفي الجواهري، ج5، ص95.
[3] فوائد الأصول، محمدحسين النائيني، ج4، ص254.
[4] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج22، ص31، ط دارالاحیاء التراث.
[5] دراسات في علم الأصول، تقرير بحث السيد الخوئي للسيد الشاهرودي، ج3، ص465.