الأستاذ الشيخ هادي آل راضي

بحث الأصول

36/03/19

بسم الله الرحمن الرحیم

الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ الاضطرار إلى بعض الأطراف لا بعينه
الكلام في ما إذا لم يكن الاضطرار واصلاً إلى مرحلة العجز، وإنّما كان واصلاً إلى مرحلة الحرج فقط، فهل حكمه هو نفس ما تقدّم يجري فيه تمام ما تقدّم، أو لا ؟
قلنا أنّ الاضطرار إن كان لأحدهما المعيّن، فالكلام فيه هو نفس الكلام في المقام الأوّل في ما تقدّم عندما فرضنا الاضطرار إلى المعيّن، وقلنا ما هو حكمه. وأمّا إن كان الحرج والضرر يرتفع بارتكاب أحدهما لا بعينه، وهو معنى الاضطرار بهذه المرتبة إلى أحدهما غير المعيّن، والذي هو البحث في المقام الثاني المتقدّم، هنا قلنا بأنّ الكلام يقع أولاً في أصل شمول أدلّة نفي الحرج لمثل هذه الحالة، يعني في حالة ما إذا كان العلم الإجمالي مردداً بين أطراف، وكان هناك حرج أو ضرر يقتضي ارتكاب واحدٍ من هذه الأطراف لا بعينه، فهل تشمله أدلّة نفي الحرج وتثبت فيه الترخيص لواحدٍ لا بعينه، أو لا ؟ هناك كلام في هذا، وليس هنا محل بحثه، وإنّما يبحث في دليل الانسداد لمناسبة هناك، ذُكر أنّه هل يمكن التمسّك بأدلّة نفي الحرج والضرر لإثبات الترخيص التخييري في أحد الطرفين لا بعينه، أو لا يمكن إثبات ذلك؛ لأنّ أدلّة نفي الحرج والضرر لا تشمل مثل هذا الفرض ؟ هذا بحث يُذكر في محله. هذا البحث الأوّل نأخذه أصلاً موضوعياً في البحث الثاني الذي هو المهم، لنفترض كما هو الصحيح أنّ أدلّة نفي الحرج والضرر تشمل محل الكلام، فلا محذور في جريان قاعدة نفي الضرر في محل الكلام وإثباتها للترخيص في ارتكاب أحد الطرفين لا بعينه؛ لأنّ ترك ارتكابهما معاً يوقعه في الضرر أو في الحرج، فيقع الكلام في البحث الثاني.
خلاصة البحث الثاني: أنّه يقع الكلام في أنّ هذا الترخيص في ارتكاب أحدهما بعد فرض ثبوته بأدلّة نفي الحرج والضرر، بعد فرض ثبوته يقع الكلام في أنّ هذا الترخيص كالترخيص الثابت في موارد العجز التكويني، أو الشرعي الذي تقدّم الكلام عنهما ؟ أو هو ترخيص يختلف عنهما بلحاظ بعض الأمور ؟ الظاهر أنّ هناك أموراً يختلف فيها الحرج والضرر، أو الاضطرار بهذا المقدار عن الاضطرار بمقدار العجز التكويني أو الشرعي، هناك بعض الفوارق بينهما،(مثلاً): تقدّم سابقاً أنّ صاحب الكفاية(قدّس سرّه) كان يرى المنافاة بين الترخيص وبين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، ولذلك حكم بسقوط العلم الإجمالي عن التنجيز. المحقق العراقي (قدّس سرّه) فسّر هذه المنافاة في كلام صاحب الكفاية (قدّس سرّه) على أنّها مبنية على القول بالعلّية التامّة، وقال: بناءً على العلّية التامّة المنافاة تكون متحققة، أمّا بناءً على الاقتضاء، فلا منافاة بين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال وبين الترخيص. هناك تقدّم ملاحظة على كلام المحقق العراقي(قدّس سرّه) أنّه يمكن منع المنافاة حتّى على القول بالعلّية التامّة، وذلك باعتبار أنّ الترخيص يثبت باعتبار عدم تنجّز العلم الإجمالي، عدم تنجّز العلم الإجمالي في محل الكلام يثبت ليس من جهة وجود نقص في العلم الإجمالي وكونه علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، وإنّما من جهة أنّ أصل منجّزية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية هي مشروطة بشرط، هناك جزء آخر يتممّ هذا التنجيز وهو عبارة عن القدرة، أن يكون المكلّف قادراً، وإلاّ لا معنى لافتراض أنّ العلم بالتكليف ينجّز ذلك التكليف على مستوى وجوب الموافقة القطعية، فضلاً عن حرمة المخالفة القطعية مع عدم قدرة المكلّف، فالقدرة شرط اساسي في تنجيز العلم الإجمالي للتكليف المتعلّق به، إنّما يتنجّز عندما يكون المكلّف قادراً على  امتثال ذلك التكليف، فيتنجّز عليه، وأمّا إذا كان عاجزاً وغير قادر أصلاً، فمجرّد علمه بالتكليف لا يكون منجّزاً للتكليف لا لنقصٍ في العلم الإجمالي، لا يوجد ما يوجب حدوث نقصٍ في العلم الإجمالي؛ بل العلم الإجمالي باقٍ على حاله وهو ينجّز، وعلّة تامّة، لكنّه لا ينجّز هذا التكليف في محل الكلام، ولا ينجّز وجوب الموافقة القطعية في محل الكلام؛ لأنّ المكلّف غير قادر على الموافقة القطعية، هكذا كنّا نقول سابقاً، في موارد العجز التكويني المكلّف غير قادر على الموافقة القطعية. إذن: لا يمكن أن يكون العلم بالتكليف منجّزاً لوجوب الموافقة القطعية لعدم القدرة عليها حتّى إذا قلنا أنّ العلم الإجمالي علّة تامّة للتنجيز؛ لأنّه إنّما يكون منجّزاً للتكليف وعلّة تامّة له عندما نفترض قدرة المكلّف على الموافقة القطعية، أمّا حيث لا يكون قادراً على الموافقة القطعية؛ فحينئذٍ العلم الإجمالي لا يكون منجّزاً، وليس هذا من جهة وجود خلل في النظرية القائلة بأنّ العلم الإجمالي علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية، وفي باب العجز التكويني القدرة غير متحقق على الموافقة القطعية؛ فحينئذٍ لا يكون العلم الإجمالي منجّزاً لوجوب الموافقة القطعية، وهذا لا يضر بالعلم الإجمالي بالتكليف وافتراض أنّه علّة تامّة للتنجيز. هذا الذي تقدّم سابقاً لا يجري هنا، هذا لا يجري في موارد الضرر والحرج؛ لأنّه في موارد الضرر والحرج القدرة موجودة، المكلّف قادر على الموافقة القطعية، غاية ما يلزم أنّه إذا ترك كلا الطرفين يقع في الحرج والضرر، وهذا ليس معناه أنّ المكلّف غير قادر على الموافقة القطعية، المكلّف قادر على الموافقة القطعية في المقام؛ ولذا يأتي كلام المحقق العراقي (قدّس سرّه) هنا من أنّه بناءً على العلّية التامّة يكون الترخيص منافياً للعلم الإجمالي بالتكليف المنجّز على نحو العلّية التامّة؛ لأنّه بناءً على العلّية التامّة لا يُعقل التفكيك بين العلّة وبين المعلول، أن نقول أنّ العلم الإجمالي موجود لكن نسلب منه التنجيز؛ لأنّه تفكيك بين العلّة والمعلول، والمفروض أنّ شرط التنجيز متحقق في محل الكلام الذي هو القدرة، هو قادر على الموافقة القطعية، فلماذا لا ينجّز العلم الإجمالي الموافقة القطعية، نفترض علماً إجمالياً، لكن من دون موافقة قطعية، هذا تفكيك بين العلّة والمعلول وهذا غير جائز وحيث أنّ الترخيص ثابت بدليله، بعد فرض ثبوت الترخيص لابدّ من ارتفاع التكليف؛ لأنّ الجمع بينهما محال، وإذا قلنا بارتفاع التكليف ننتهي إلى نتيجة التوسّط في التكليف، لا التوسّط في التنجيز؛ لأنّ التوسّط في التكليف مبني على أنّه على أحد التقديرين لا تكليف، على تقدير أن يكون ما يُرفع به الاضطرار هو الحرام الواقعي لا يوجد تكليف، لا حرمة؛ لاستحالة الجمع بين التكليف الواقعي وبين الترخيص بناءً على العلّية التامّة، فإذا ثبت الترخيص، فهذا يعني عدم وجود تكليف، وإذا لم يكن هناك تكليف على أحد التقديرين، فهذا يعني أنّ التوسّط يكون في التكليف لا في التنجيز. هذا بناءً على العلّية التامّة.
وأمّا بناءً على الاقتضاء: حينئذٍ هذا يرتبط بمفاد دليل نفي الحرج والضرر، إذا قلنا بأنّ مفاده هو ما نقلناه عن الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه)، وهو نفي التكليف الذي يجيء منه الضرر والحرج، ويكون منشئاً للحرج ولو بالواسطة، ولا يُشترط أن يكون موضوعه موضوعاً حرجياً؛ بل قد يكون موضوعه غير حرجي كما في محل الكلام، التكليف في محل الكلام متعلّق بالنجس الواقعي، الحرمة متعلّقة بالإناء الذي سقطت فيه قطرة الدم واقعاً، وهذا الموضوع ليس موضوعاً حرجياً، لا يكون الإتيان به موقعاً للمكلّف في الحرج، وإنّما يقع في الحرج نتيجة إلزام المكلّف بالاحتياط بوجوب الموافقة القطعية، هذا هو الذي يوقعه في الحرج، هذا صحيح، لكن الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) يقول حتّى هذا يشمله دليل نفي الضرر والحرج؛ لأنّ بالنتيجة السبب الأساسي هو التكليف، ولو بالواسطة أوقعه في الحرج، والحديث يرفع كل تكليف يكون منشئاً لإيقاع المكلّف في العسر والحرج. بناءً على هذا، هذا معناه أنّ نفي الحرج يعني نفي التكليف؛ حينئذٍ يقع التنافي بين التكليف الواقعي الثابت في هذا الطرف على تقدير أن يكون هو النجس واقعاً وبين نفي الحرج؛ لأنّ نفي الحرج  يعني نفي التكليف، باعتبار أنّ هذا التكليف يوقع المكلّف في الحرج، أو ينشأ منه الحرج، فنفي الحرج يقتضي نفي التكليف، هذا كيف يجتمع مع التكليف الواقعي في هذا الطرف على تقدير أن يكون نجساً في  الواقع ؟ فإذا جرى دليل نفي الحرج ونفا التكليف في هذا الطرف على تقدير أن يكون نجساً واقعاً، أيضاً ننتهي إلى نفس النتيجة السابقة وهي التوسّط في التكليف لا التوسّط في التنجيز؛ لأنّ التكليف يرتفع على أحد التقديرين ويكون ثابتاً على التقدير الآخر، فلا علم بالتكليف الفعلي على كل تقدير ويكون التوسّط في التكليف. هذا بناءً على هذا الفهم لأدلّة نفي الحرج والعسر وهو الفهم الذي يختاره الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) وهو أنّ كل تكليف يرتفع إذا كان منشئاً لحصول الحرج، وهذا التكليف صار منشئاً لحصول الحرج، باعتبار عدم قدرة المكلّف على الموافقة القطعية؛ لأنّه يوقعه في الحرج، فيكون منفيّاً بأدلّة نفي الحرج والعسر.
وأمّا إذا قلنا بالرأي الآخر في المسألة: وليس برأي صاحب الكفاية(قدّس سرّه)؛ لأنّ رأي صاحب الكفاية(قدّس سرّه) يقتضي أن لا تشمل أدلّة نفي الحرج محل الكلام، هي تشمل فقط التكليف الذي يكون موضوعه حرجياً، وفي المقام موضوع التكليف ليس حرجيّاً؛ لأنّ موضوعه النجس الواقعي ولا حرج في ترك النجس الواقعي، الحرج في الموافقة القطعية لهذا التكليف لا في نفس الموضوع الواقعي، على رأي صاحب الكفاية(قدّس سرّه) أصلاً الدليل لا يشمل محل الكلام، لكن نقول بناءً على الرأي الآخر الذي يقول بأنّ أدلّة نفي الحرج تشمل محل الكلام، وأدلّة نفي الحرج مفادها نفي الحرج الخارجي الذي ينشأ من الشريعة، بسبب التشريعات الإلهية يقع المكلّف في الحرج، الحديث ينفي هذا السبب لوقوع المكلّف في الحرج، سواء كان هذا السبب هو تكليف، أو عدم تكليف، حتّى إذا كان سبب الحرج هو عدم تكليف أيضاً الحديث يشمل ذلك وينفي هذا العدم، وفي المقام يُدّعى بأنّ أدلّة نفي الحرج تنفي عدم الترخيص الشرعي في ارتكاب أحد الطرفين، باعتبار أنّ عدم الترخيص يوقع المكلّف في الحرج، وبدل عدم الترخيص يمكن أن نعبّر بوجوب الموافقة القطعية، أو يمكن أن نعبّر بالاحتياط التام، الاحتياط التام هو الذي يوقع المكلّف في الحرج، وإلاّ امتثال أصل التكليف لا يوقع المكلّف في الحرج، عدم ترخيص الشارع للمكلّف في ارتكاب أحد الطرفين، باعتبار أنّه مضطر إلى ارتكابه بمرتبة الحرج والضرر، هذا هو الذي يوقع المكلّف في الحرج والضرر، فيكون عدم الترخيص مرفوعاً، والاحتياط التام يكون مرفوعاً، وجوب الموافقة القطعية يكون مرفوعاً، بناءً على هذا؛ حينئذٍ يرتفع عدم الترخيص ويثبت الترخيص، عدم الترخيص هو الذي يكون مرفوعاً لا التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال؛ لأنّه ليس هو سبب الحرج، سبب الحرج في الحقيقة والواقع هو عبارة عن عدم الترخيص وإلزام المكلّف بالاحتياط التام، هذا هو الذي يكون مرفوعاً بهذه الأدلة، أمّا التكليف فيبقى على حاله والأدلّة لا تمسّه ولا ترفعه وليس فيها دلالة على رفعه، وإنّما هي ترفع عدم الترخيص الشرعي، فيثبت بدله الترخيص في ارتكاب أحد الطرفين، ترفع وجوب الموافقة القطعية، فلا تجب الموافقة القطعية، أمّا حرمة المخالفة القطعية فتبقى على حالها؛ لأننّا لم نمس التكليف، فيبقى التكليف على حاله، وإذا بقي التكليف على حاله، فهذا معناه أنّ التوسّط يكون في التنجيز لا في التكليف، يعني أنّ التكليف باقٍ لكن نفرّق بلحاظ التنجيز بين وجوب الموافقة القطعية، فنلتزم بعدم تنجيزه، باعتبار اضطرار المكلّف، ولو بمستوى الحرج، وبين حرمة المخالفة القطعية، فنلتزم بها؛ لأنّ التكليف باقٍ وهو يبقى على تنجيزه، لكن تنجيزه بلحاظ حرمة المخالفة القطعية دون وجوب الموافقة القطعية، وهذا توسّط في التنجيز.
الأمر الثاني الذي يقع فيه الكلام: قد يقال أنّه بناءً على مسلك الاقتضاء، فالمنافاة بين التكليف الواقعي وبين الترخيص، إنّما لا تتحقق كما ذكرنا سابقاً إذا كان الترخيص ظاهرياً، الترخيص الظاهري على مسلك الاقتضاء لا مشكلة فيه، ولا يكون هذا الترخيص منافياً للتكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، لكن هذا عندما يكون الترخيص ظاهرياً، وأمّا إذا كان الترخيص واقعياً لا ظاهرياً، حينئذٍ قد يقال أنّ المنافاة موجودة لوضوح أنّ الترخيص الواقعي ينافي التكليف الواقعي، كيف يمكن أن يجتمع ترخيص واقعي في الطرف الذي رفع المكلّف به اضطراره وبين التكليف الواقعي في نفس ذلك الطرف على تقدير أن يكون نجساً في الواقع ؟ هو طرف واحد يكون مرخصاً فيه واقعاً، ويكون التكليف ثابتاً فيه واقعاً، لا يُعقل الجمع بينهما! إذن: على تقدير أن يكون النجس ثابتاً في الطرف الذي رفع به اضطراره، هنا المنافاة بين التكليف الواقعي وبين الترخيص الواقعي تكون ثابتة، وهذا في الحقيقة يستلزم ارتفاع التكليف في هذا الفرض، وبالتالي يسقط العلم الإجمالي عن التنجيز، باعتبار عدم ثبوت التكليف على هذا التقدير، وعليه: لا يكون العلم الإجمالي متعلّقاً بتكليفٍ فعليٍ على كل تقدير، وإنّما يكون متعلّقاً بتكليفٍ فعليٍ على تقديرٍ وبتكليفٍ غير فعليٍ على تقديرٍ آخر. إذن: لا يوجد علم بتكليفٍ فعليٍ على كل تقدير، وهذا يؤدّي إلى سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز، أو التوسّط في التكليف. هذا إذا كان الترخيص واقعياً. نعم لا منافاة إذا كان الترخيص ظاهرياً.
ومن هنا قد يقال: أنّ الترخيص في محل الكلام واقعي وليس ظاهرياً، والسبب في ذلك هو أنّ الترخيص في محل الكلام يُستفاد من الأدلّة التي تدلّ على الترخيص في موارد الاضطرار من قبيل(ما من شيءٍ حرّمه الله إلاّ وأحلّه لمن أضطُر إليه)[1] هذا يُستفاد منه الحلّية والترخيص، فيقال أنّ ظاهر هذا الحديث الشريف هو أنّ الاضطرار مقتضٍ للحلّية، الحديث الشريف ليس فقط يدلّ على أنّ الاضطرار يقتضي الحلّية؛ بل يقول أنّ الاضطرار يقتضي الحلّية حتّى في الموارد التي تكون الحرمة ثابتة فيه، حتّى الموارد التي فيها مفسدة ملزمة تقتضي الحرمة، مع ذلك الاضطرار فيه يقتضي حلّية ذلك المورد، فالحديث يدلّ على ثبوت الحلّية في الموارد التي ثبتت فيها المفسدة الملزمة المقتضية للحرمة، فضلاً عن غيرها، أي عن الموارد التي ليس فيها مفسدة ملزمة، فهي من بابٍ أولى أن يقتضي الاضطرار الحلّية فيها، والاضطرار يقتضي رفع الحرمة وثبوت الحلّية. إذن: الموارد التي هي مباحة في الأساس وليس فيها حرمة، إذا اضطر إليها الإنسان من بابٍ أولى أن يثبت فيها الترخيص، بناءً على هذا؛ حينئذٍ يكون مفاد الحديث الشريف هو جعل الحلّية في مورد الاضطرار، ولو لم يكن مورد الاضطرار حراماً، وليس بالضرورة أن يكون مورد الاضطرار حراماً؛ بل قلنا أنّه إذا لم يكن حراماً تثبت فيه الحلّية من بابٍ أولى، بمعنى أنّ الاضطرار مقتضٍ للحلّية في جميع الموارد حتّى إذا كان المورد حراماً، مع ذلك الاضطرار يقتضي الحلّية. وبناءً على هذا، فهذا الحديث يدلّ على أنّ الاضطرار مقتضٍ لإثبات الحلّية حتّى إذا لم يكن مورده حراماً؛ حينئذٍ إذا أردنا أن نطبقه على محل الكلام، المكلّف ليس مضطراً إلى الفرد، وإنّما هو مضطر إلى الجامع، مضطر إلى ارتكاب أحد الطرفين، والجامع ليس حراماً، فلا مشكلة؛ لأنّه لا يُشترط في شمول الحديث لموردٍ أن يكون حراماً كما بيّنا، الجامع ليس حراماً، يشمله الحديث، فإذا اضطر إليه المكلّف، هذا الاضطرار فيه اقتضاء الحلّية، فتكون الحلّية ثابتة في الجامع، وهذه الحلّية الثابتة في الجامع حلّية واقعية لا علاقة لها بالشك، هذه حلّية واقعية ثابتة في مورد الاضطرار الذي هو الجامع، هذه الحلّية تسري من الجامع إلى الفرد عندما يُطبّق المكلّف اضطراره على الفرد ويرفع اضطراره بالفرد، تسري هذه الحلّية من الجامع إلى الفرد، فتثبت الحلّية في الفرد الذي يختاره المكلّف لرفع اضطراره به، وهي حلّية واقعية وهي عبارة عن الترخيص الواقعي، فإذن: الفرد الذي يرفع به اضطراره فيه ترخيص واقعي، وحلّية واقعية، فلو كان هو النجس في الواقع يثبت فيه التكليف الواقعي، يعني الحرمة الواقعية، ومن غير المعقول أن تجتمع الحرمة الواقعية مع الحلّية الواقعية، فلابد ّمن الالتزام بارتفاع التكليف على هذا التقدير، وهذا يعني التوسّط في التكليف وسقوط العلم الإجمالي عن التنجيز. بالنتيجة سوف ننتهي إلى نتيجة أنّه في المقام هناك حلّية واقعية ثابتة في الجامع وسرت من الجامع إلى الفرد، وإذا سرت إلى الفرد؛ حينئذٍ  يستحيل أن تجتمع مع الحرمة الواقعية، فلابدّ من الالتزام بارتفاع الحرمة الواقعية على هذا التقدير، وهذا يؤدّي إلى سقوط العلم الإجمالي عن المنجّزية.
يمكن أن يُجاب عن هذا الإيراد:
أولاً: بإنكار أنّ ظاهر الرواية هو ما ذُكر، إنكار أن يُفهم من هذه الرواية الشريفة أنّ الاضطرار له اقتضاء الحلّية، أو لا أقل أنّ هناك احتمالاً آخر في الرواية في مقابل هذا الاحتمال، وهو أنّ الرواية في مقام بيان أنّ الاضطرار يُشكل مانعاً يمنع من تأثير مقتضي الحرمة في الحرمة، عندما يكون الشيء حراماً وفيه مقتضي الحرمة، فيه مفسدة ملزمة تقتضي الحرمة، عندما يضطر إليه المكلّف هذا الاضطرار يشكّل مانعاً يمنع من تأثير هذا المقتضي في المُقتضَى، يعني في الحرمة، هذا هو الذي يُفهم من الرواية، أنّ الاضطرار يمنع من تأثير مقتضي التحريم في التحريم، بناءً على هذا؛ حينئذٍ الحديث الشريف لا يشمل محل الكلام، مفاده ليس هو جعل الحلّية، وإنّما مفاده هو رفع التحريم لا جعل الحلّية، بناءً على هذا الرواية لا تشمل محل الكلام؛ لأنّ المفروض أنّ الاضطرار في محل الكلام متعلّق بالجامع، والجامع ليس حراماً، شمول الحديث بناءً على هذا الفهم لمورد لا يكون إلاّ إذا كان ذلك المورد حراماً وفيه مفسدة، فيأتي الاضطرار يمنع من تأثير المفسدة الملزمة في التحريم، فيقتضي رفع التحريم، لكن هذا عندما يكون الشيء حراماً حتّى يشمله الحديث، في محل الكلام مورد الاضطرار هو الجامع، والجامع ليس حراماً حتّى يدلّ الحديث على رفع حرمته، وأمّا الفرد، فأنّه وإن كان حراماً على تقدير أن يكون هو النجس في الواقع، لكنّه ليس مورداً للاضطرار حتّى يشمله الحديث، مورد الاضطرار هو الجامع والجامع ليس حراماً، وما هو حرام هو الفرد على تقدير أن يكون هو النجس في الواقع، ولكنّه ليس مورداً للاضطرار؛ ولذا شمول الحديث لمحل الكلام يكون مشكلاً، وليس في الحديث ما يدلّ على رفع الحرمة؛ لأنّه لا يشمل محل الكلام، هو لا يدلّ على إثبات الحلّية، وإنّما يدلّ على رفع الحرمة، لكنّه لا يشمل محل الكلام، إنّما يدلّ على رفع الحرمة عندما يكون الاضطرار متعلّقاً بما هو حرام، فيدلّ على رفع الحرمة، في محل الكلام الاضطرار لم يتعلّق بالحرام، حتّى على تقدير أن يكون النجس هو هذا؛ لأنّ الاضطرار متعلّق بالجامع، والجامع ليس حراماً، والفرد وإن كان حراماً على تقدير أن يكون هو النجس واقعاً، لكنّه ليس مورداً للاضطرار. وعليه: لا موجب لرفع اليد عن التكليف.
أو بعبارةٍ أخرى: أنّ الحديث الشريف ليس فيه دلالة على رفع التكليف، فيبقى التكليف على حاله، وليس هناك شيء يوجب رفعه؛ لأنّه ليس هناك شيء ينافيه؛ إذ ليس هناك حلّية وترخيص واقعي كما قيل حتّى يكون منافياً للتكليف وموجباً لرفع اليد عنه، كما أنّ الحديث الشريف لا يرفع هذا التكليف، يعني لا يرفع الحرمة على ما بيّنّا. نعم، الشيء الذي يثبت في المقام هو الترخيص العقلي، والتكليف باقٍ، العقل في هذه الحالة يحكم بالترخيص في رفع الاضطرار بأحد الطرفين. هذا الترخيص في رفع الاضطرار بأحد الطرفين هو ترخيص عقلي ومن الواضح بأنّ هذا لا يتنافى مع الحرمة الواقعية، فتبقى الحرمة الواقعية على حالها، لكن العقل يُرخّص في ارتكاب أحد الطرفين.


[1] وسائل الشيعة، الشيخ الحر العاملي، ج23، ص228، كتاب الايمان، باب12، ح18، ط آل البیت.