الأستاذ الشيخ هادي آل راضي

بحث الأصول

35/12/02

بسم الله الرحمن الرحیم

 بسم الله الرحمن الرحيم
الموضوع: الأصول العمليّة /تنبيهات العلم الإجمالي/انحلال العلم الإجمالي
كان الكلام في الانحلال الحكمي للعلم الإجمالي، وشرائط هذا الانحلال. ذكرنا الشرط الأوّل وهو شرطٌ في كل انحلالٍ حكميٍ، وهو عدم تأخّر المنجّز للتكليف في بعض الأطراف عن العلم الإجمالي، أنّ المنجّز للتكليف في بعض الأطراف بعينه لابدّ أن لا يكون متأخّراً زماناً عن العلم الإجمالي، سواء كان هذا المنجّز علماً تفصيلياً كما تقدّم، أو إمارةً، أو اصلاً منجّزاً للتكليف. وأمّا إذا كان متأخّراً عن زمان العلم الإجمالي هنا لا يوجد انحلالٌ حكمي. وقلنا أنّه على ضوء هذا الشرط قد تُثار مشكلة بالنسبة إلى دعوى الأخباريين أنّه يجب الاحتياط في الشبهات اعتماداً على العلم الإجمالي بوجود تكاليف إلزامية في الشريعة المقدّسة.
وجواب الجماعة عن هذا الكلام بأنّ هذا العلم الإجمالي وإن كان موجوداً، لكنّه منحلٌ انحلالاً حكمياً بقيام الإمارات على ثبوت التكليف في بعض تلك الشبهات، فينحل انحلالاً حكمياً. الإشكال يقول: شرط الانحلال الحكمي هو تعاصر زماني الإمارة المثبتة للتكليف في بعض الشبهات المعيّنة وزمان العلم الإجمالي، والحال أنّ الإمارات المثبتة للتكليف في بعض الشبهات المعينّة تحصل بالتدريج بعد الفحص، فزمانها ليس هو زمان العلم الإجمالي؛ بل هي متأخّرة زماناً عن العلم الإجمالي، فلا يتحقق شرط الانحلال الحكمي، فلا يصحّ هذا الجواب عن ما ذكره الأخباريون.
أجابوا عن ذلك بجوابٍ تقدم سابقاً، وتقدّم سابقاً أنّ فيه بعض الملاحظات، وانتهى الكلام إلى الجواب الثاني، وكان حاصله، هو أن يقال: أنّ الإشكال اساساً غير واردٍ، وذلك لأنّه إنّما يرد هذا الإشكال ونحتاج إلى جوابه بناءً على عدم وجود تنافٍ وتضادٍ واقعيٍ بين الأحكام الظاهرية، وإنّما يكون التنافي بينها بعد فرض الوصول بلحاظ عالم المحركية؛ حينئذٍ يقع التنافي بين البراءة من جهة ــــــــــ مثلاً ـــــــــــ والاحتياط من جهةٍ أخرى، بعد فرض الوصول يتنافيان؛ لأنّه لا يُعقل بلحاظ المحركية أن يكون في الشيء براءة، وأن يكون فيه احتياط؛ لأنّ الاحتياط يحرّك نحو الفعل، أو الترك، بينما البراءة لا تحرّك؛ بل تطلق العنان، فيتنافيان بعد فرض الوصول وبلحاظ عالم المحرّكية. أمّا بقطع النظر عن ذلك لا يوجد بينهما تنافٍ واقعي؛ لأنّ ملاك الحكم الظاهري قائم في نفس إنشائه وجعله، وحيث أنّ جعل الاحتياط غير جعل البراءة، الجعل متعددّ؛ وحينئذٍ لا يوجد تنافٍ بين البراءة والاحتياط بلحاظ الملاك والمبادئ؛ لأنّ ملاك البراءة قائمٌ في نفس جعلها وملاك الاحتياط قائمٌ في نفس جعله، فلم يجتمعا في موضوعٍ واحدٍ حتّى يحصل بينهما التنافي؛ حينئذٍ يكون لهذا الإشكال صورة؛ لأنّه يقال بأنّه بقيام الإمارة على ثبوت التكليف في بعض الأطراف المعيّن، على ثبوت المنجّز في هذا الطرف وذاك، هذه الإمارة لا تستطيع أن تكشف عن عدم جريان البراءة في موردها من بداية الأمر؛ لأنّه لا يوجد بينهما تضاد حقيقي حتّى يكون الدليل الدال على أحد المتضادّين كاشفاً ودالاً على عدم ثبوت الآخر واقعاً، هذا شأن الأمور المتضادة حقيقةً وواقعاً، الدليل الدال على أحد الضدّين يكشف عن عدم الآخر واقعاً وفي نفس الأمر، بينما على هذا الرأي لا يوجد تضاد بين البراءة وبين الاحتياط، بين البراءة وبين التنجيز الظاهري، باعتبار قيام الإمارة؛ لأنّ التنجيز الظاهري بقيام الإمارة لا يكشف عن ثبوت البراءة من أوّل الأمر.
إذن: لا مانع من جريان البراءة في هذا الطرف قبل قيام الإمارة، فإذا جرت فيه البراءة تُعارَض بالبراءة في الطرف الآخر، وهذا يوجب تنجيز العلم الإجمالي وعدم الانحلال، فلا يصحّ جوابكم عن شبهة الأخباريين.
وأمّا بناءً على الرأي الآخر الذي يقول أنّ الأحكام الظاهرية كالأحكام الواقعية متضادّة فيما بينها تضادّاً واقعياً حقيقياً، الاحتياط كحكمٍ ظاهري هو مضاد للبراءة كحكمٍ ظاهري، فهما متضادان واقعاً وحقيقةً؛ لأنّ أحدهما يكشف عن شدّة اهتمام المولى بالأحكام الإلزامية الواقعية، بينما الآخر يكشف عن عدم اهتمامه بالأحكام الإلزامية الواقعية. هذان الأمران لا يمكن أن يجتمعا، إبراز الاهتمام وإبراز عدم الاهتمام لا يمكن أن يجتمعا، فهما متضادّان واقعاً، فإذا كانا متضادّين واقعاً وفي نفس الأمر، فالدليل الدال على أحدهما يكشف عن عدم الآخر من أول الأمر، فبقيام الإمارة على تنجيز التكليف في بعض الشبهات المعيّنة يكشف عن أنّ هذه الشبهات التي قامت فيها الإمارة لا تثبت فيها البراءة من أوّل الأمر؛ لأنّه بقيام الإمارة في هذه الشبهات تكشف عن اهتمام المولى بالأحكام الالزامية المحتملة في هذه الشبهات؛ ولذا لم يجعل البراءة، وإنّما أمر بسلوك طريق الإمارة، جَعَل الحجّية للإمارة، وجَعْل الإمارة منجّزةً للتكليف يكشف عن اهتمامه بالأحكام الإلزامية المحتملة، فإذا كشف عن اهتمامه بالأحكام الإلزامية في هذه الموارد، فهذا يعني أنّه ليس هناك براءة من أوّل الأمر؛ لأنّ البراءة في هذه الموارد تعني عدم اهتمامه بالأحكام الإلزامية في تلك الموارد، فالدليل الدال على الاهتمام بالأحكام الإلزامية في تلك الموارد لا إشكال في أنّه يكشف عن عدم ثبوت البراءة من أوّل الأمر. إذن: هذه الموارد لا تجري فيها البراءة من أوّل الأمر، فتجري البراءة في الطرف الآخر، أو الأطراف الأخرى بلا معارض، فيتحقق الانحلال الحكمي ويتمّ الجواب عن شبهة الأخباريين، فيقال لهم: وإنّ كنّا نعلم علماً إجمالياً بوجود تكاليف إلزامية في ضمن الشبهات في الشريعة المقدّسة، لكن هذا العلم الإجمالي منحلٌ انحلالاً حكمياً بعد قيام الإمارات على إثبات إحكامٍ إلزامية في جملةٍ من الشبهات بالشروط الآتية الأخرى . افترض أنّ قيام الإمارة متأخّر، لكنّه ـــــــــ بناءً على هذا الكلام ــــــــــ يكشف عن عدم ثبوت البراءة والأصل المؤمّن في موارد قيام الإمارات من أوّل الأمر، من البداية البراءة لا تجري في هذه الموارد؛ لأنّ الحجّية الثابتة للإمارة في هذه الموارد تكشف عن اهتمام المولى بالأحكام الإلزامية المحتملة في تلك الموارد، وهذا لا يمكن أن يجتمع مع عدم اهتمامه بالأحكام الإلزامية في نفس تلك الموارد، فيكون كاشفاً عن عدم جريان البراءة من أوّل الأمر، وإذا لم تجرِ البراءة في هذه الموارد من أوّل الأمر، جرت البراءة في الموارد الأخرى بلا معارض، وانحلّ العلم الإجمالي انحلالاً حكمياً. هذا بالنسبة إلى الشرط الأوّل في الانحلال، وهو أن يكون المنجّز للتكليف معاصراً للعلم الإجمالي،
قد يقال: في هذا المورد ليس هناك معاصرة، وبالنتيجة لم يتوفر هذا الشرط؛ لأنّ الإمارة بالنتيجة متأخّرة زماناً عن العلم الإجمالي بحسب الفرض.
نقول: لا مشكلة، لم يكن معاصراً، لكن بالنتيجة قيام الإمارة يكشف ــــــــــ بناءً على هذا المبنى ــــــــــ عن عدم جريان البراءة في المورد الذي قامت فيه الإمارة من أوّل الأمر، وهذا يكفي لإثبات الانحلال. المهم أنّ الموارد التي قامت فيها الإمارة لا تجري فيها البراءة من أوّل الأمر لا من حين قيام الإمارة، وهذه هي نكتة البحث. لماذا لا يوجد انحلال إذا تأخّرت الإمارة، أو العلم التفصيلي ؟ لأنّه بلحاظ فترة ما قبل قيام العلم التفصيلي، أو الإمارة، تجري البراءة في هذا الطرف، وتُعارَض بالبراءة في الطرف الآخر، فيتنجّز العلم الإجمالي ولا انحلال. هذه هي المشكلة، المشكلة تنشأ من جريان البراءة في هذا المورد الذي قام فيه العلم التفصيلي قبل قيام العلم التفصيلي؛ لأنّ هذا المورد تنجّز بالعلم التفصيلي، فقبل قيام العلم التفصيلي ليس له منجّز، فإذا لم يكن له منجّز تجري فيه البراءة، وإذا جرت فيه البراءة تُعارَض بالبراءة في الطرف الآخر، فيتنجّز العلم الإجمالي، ولا يوجد انحلال حكمي. فإذا استطعنا أن نثبت أنّ هذا المورد الذي قامت فيه الإمارة هو من أوّل الأمر لا تجري فيه البراءة، أصلاً ليس مورداً للبراءة، انحلّ العلم الإجمالي؛ لأنّ البراءة تجري في الطرف الآخر بلا معارض. المهم هو إثبات أنّ مورد الإمارة ليس مورداً للبراءة، وهذا يمكن إثباته بنحوين:
النحو الأوّل: هو الشرط السابق، الذي هو أن يكون قيام الإمارة معاصراً زماناً للعلم الإجمالي، فيمنع من جريان البراءة في هذا المورد من البداية، فتجري البراءة في الطرف الآخر بلا معارض.
النحو الثاني: أن نفترض أنّ الإمارة متأخّرة زماناً عن العلم الإجمالي، لكنّها تكشف عن أنّ موردها ليس مورداً للبراءة من أوّل الأمر، بناءً على التضادّ الواقعي والحقيقي بين الأحكام الظاهرية، وهذا أيضاً يحقق الانحلال؛ لأنّ هذا المورد من بداية الأمر ليس مورداً للبراءة، فتجري البراءة في الطرف الآخر بلا معارض، ويتحقق الانحلال الحكمي.
الشرط الثاني: أن لا يقل ما تنجّز بالإمارة عن المعلوم بالإجمال، أي أن لا يكون ما تنجّزه الإمارة، أو الأصل أقل من المعلوم بالإجمال. وأمّا إذا كان ما تنجّزه الإمارة أقل من المعلوم بالإجمال؛ فحينئذٍ لا يكون هناك انحلال حكمي؛ لأنّ ما ينجّزه العلم الإجمالي ـــــــــــ فرضاً ـــــــــــ هو عشرة، وما تنجّزه الإمارة أثنان، هذا المقدار الزائد على ما تنجّزه الإمارة يكون العلم الإجمالي منجّزاً بلحاظه، وتتعارض فيه الأصول العملية؛ لأنّ المقدار الزائد لا مانع من أن تجري فيه البراءة، وتُعارض بالبراءة في الأطراف الأخرى، إنّما ينحل العلم الإجمالي إذا كان ما تنجّزه الإمارة بمقدار أقل من المعلوم بالإجمال. أنا أعلم بنجاسة إناء من بين عشرة آنية، وما قامت عليه الإمارة نجاسة إناءٍ واحدٍ معيّن، في هذه الحالة ينحلّ العلم الإجمالي؛ لأنّ هذا الإناء المعيّن لا تجري فيه البراءة، لا يجري فيه الأصل المؤمّن بعد فرض قيام الإمارة على ثبوت التكليف فيه، فتجري البراءة في الأطراف الأخرى بلا معارضٍ، فينحل العلم الإجمالي. أمّا إذا كان ما أعلمه إجمالاً هو نجاسة إناءين من عشرة وما قامت عليه الإمارة هو نجاسة إناء واحدٍ معيّن، بلحاظ الزائد عن هذا الواحد يكون العلم الإجمالي منجّزاً، والأصول تكون متعارضة بلحاظه، فيتنجّز العلم الإجمالي ولا يثبت الانحلال الحكمي.
الشرط الثالث: أن لا تثبت الإمارة، أو الأصل المنجّز للتكليف، تكليفاً مغايراً للتكليف المعلوم بالإجمال ـــــــــــ مثلاً ـــــــــــ إذا فرضنا أنّه يعلم إجمالاً بحرمة الشرب من أحد الإناءين من جهة نجاسته، وقامت الإمارة على حرمة الشرب من أحدهما المعين من جهة غصبيته، في هذه الحالة أيضاً لا يكون العلم الإجمالي منحلاً انحلالاً حكمياً؛ لأنّ ما تنجّزه الإمارة غير ما ينجّزه العلم الإجمالي. ما تنجّزه الإمارة هو حرمة من جهة الغصبية، بينما ما ينجّزه العلم الإجمالي هو التكليف من جهة النجاسة، وفي هذه الحالة لا يوجد انحلال حكمي؛ لأنّ غير ما تنجّزه الإمارة تكون الأصول بلحاظه متعارضة، الإمارة في هذا الطرف المعيّن تنجّز حرمة من جهة الغصبية، لكنّها لا تنجّز حرمة من جهة النجاسة. العلم الإجمالي ينجّز حرمة من جهة النجاسة، والأصول بلحاظ هذه الحرمة من جهة النجاسة متعارضة، يعني أنّ أصالة البراءة في الطرف الآخر معارَضة بأصالة البراءة في هذا الطرف الذي قامت الإمارة على أنّه بعينه حرام، لكن من جهة الغصبية، هذا لا مانع منه، وإن كان هذا الطرف المعيّن هو حرام على كلّ حال؛ لأنّه قامت الإمارة على حرمته من جهة الغصبية، أو من جهة النجاسة، بالنتيجة هو حرام على كل حال.
قد يُستشكل ويقال: كيف تجري فيه البراءة حتّى تُعارَض بالبراءة في الطرف الآخر، وبالتالي يتنجّز العلم الإجمالي ولا يثبت الانحلال الحكمي ؟   
الجواب هو: لا مشكلة، هذه الحرمة من جهة النجاسة لا تنجّزها الإمارة، فتكون الأصول متعارضة بلحاظ الحرمة من جهة النجاسة.
وبعبارةٍ أخرى: إنّ البراءة تجري في هذا الطرف المعيّن الذي قامت الإمارة على حرمته، لنفي العقاب الزائد؛ لأنّ هذا حرام من جهة الغصبية، ونشكّ في أنّه هل هو حرام من جهة النجاسة، أو لا ؟ فكأنّ الذي يرتكبه، على تقدير أن يكون حراماً من جهة النجاسة، كأنّه يرتكب حرامين، ويخالف حرمتين، حرمة من جهة الغصبية، وحرمة من جهة النجاسة. نحن نريد أن نؤمّن بإجراء البراءة في هذا الطرف الذي نعلم بحرمته ــــــــــ نعلم باعتبار الإمارة ـــــــــ نريد أن نؤمّن من ناحية العقاب الزائد على الحرمة من جهة النجاسة، فتجري فيه البراءة وتُعارض بالبراءة في الطرف الآخر، وهذا يوجب تنجيز العلم الإجمالي وعدم الانحلال، يتحقق الانحلال إذا كان المنجّز بالإمارة ليس تكليفاً غير التكليف الثابت بالعلم الإجمالي.
هذه هي الشروط المعتبرة في الانحلال الحكمي، إذا تمّت هذه الشروط تحقق الانحلال الحكمي للعلم الإجمالي بالإمارة، أو الأصل المنجّز للتكليف. لكن تبقى مسألة أنّ هذا الانحلال الحكمي بالشرائط السابقة، في ما لو توفّرت الشرائط السابقة، هذا الانحلال الحكمي لا إشكال في أنّه ثابت بلحاظ وجوب الموافقة القطعية، بمعنى أنّ مثل هذا العلم الإجمالي لا ينجّز وجوب الموافقة القطعية، وهذا معناه بحسب النتيجة أنّه يجوز للمكلّف أن يرتكب الطرف الآخر، وتجري البراءة في الطرف الآخر بلا معارضٍ، فيجوز أن يرتكب الطرف الآخر استناداً إلى البراءة الجارية في الطرف الآخر بلا معارضٍ، وهذا معناه عدم وجوب الموافقة القطعية، فيجوز له ارتكاب الطرف الآخر. جواز ارتكاب الطرف الآخر لا إشكال أنّه ثابت لو اجتنب الطرف الذي قامت الإمارة على ثبوت التكليف فيه ـــــــــ ولنسمّه الطرف الأوّل ـــــــــ، لكن هل جواز ارتكاب الطرف الآخر ثابت حتّى مع ارتكاب الطرف الأوّل ؟ هذا البحث يعتمد على أنّ  انحلال العلم الإجمالي بالشرائط السابقة، هل هو فقط بالنسبة إلى وجوب الموافقة القطعية، أو  هو كما يثبت بلحاظ الموافقة القطعية يثبت أيضاً بلحاظ المخالفة القطعية ؟ لا بمعنى أننا نجوّز للمكلّف أن يرتكب الطرفين، وإنّما بمعنى أن نقول للمكلّف: يجوز لك ارتكاب الطرف الآخر مطلقاً، يعني سواءً اجتنبت الطرف الأوّل وعملت بالإمارة الحجّة المعتبرة، أو ارتكبت الطرف الأوّل ولم تجتنبه، حتّى إذا ارتكبت الطرف الأوّل يجوز لك ارتكاب الطرف الثاني. أن الانحلال هل هو بلحاظ وجوب الموافقة القطعية فقط، أو أنّ الانحلال الحكمي يثبت مطلقاً بلحاظ وجوب الموافقة القطعية وبلحاظ حرمة المخالفة القطعية ؟
بعبارةٍ أخرى: بعد الانحلال الحكمي المفروض في محل كلامنا يجوز ارتكاب الطرف الآخر، بلا إشكال، لكن الكلام في أنّه هل يجوز ارتكابه مع ارتكاب الطرف الأوّل، أو أنّ جواز ارتكابه مقيّد باجتناب الطرف الأوّل ؟
هذا السؤال في الحقيقة يرتبط بالدليل الدال على جواز ارتكاب الطرف الآخر. ما هو الدليل الذي نستند إليه لتجويز ارتكاب الطرف الآخر ؟ لابدّ من ملاحظة هذا الدليل، هل يدلّ على جواز ارتكاب الطرف الآخر مقيّداً باجتناب الطرف الأوّل، أو يدلّ على جواز ارتكابه مطلقاً، سواء ارتكب الطرف الأوّل، أو اجتنبه ؟ إذا كان يدلّ عليه مقيّداً باجتناب الطرف الأوّل، هذا معناه أنّه إذا ارتكب الطرف الأوّل لا يوجد جواز بالنسبة إلى الطرف الآخر؛ لأنّ الدليل الدال على جواز ارتكاب الطرف الآخر مقيّد باجتناب الطرف الأوّل، فلو ارتكب الطرف الأوّل، الدليل لا يدلّ على جواز ارتكاب الطرف الآخر.
وبعبارةٍ أخرى: إذا ارتكبهما معاً، مخالفته وعصيانه يكون أشد ممّا إذا ارتكب الطرف الأوّل بخصوصه، إذا ارتكب الطرف الأوّل بخصوصه هو خالف المولى؛ لأنّ الإمارة حجّة معتبرة قامت على ثبوت التكليف فيه، فهناك عصيان ومخالفة، لكن إذا ارتكب كلاً منهما تكون المخالفة أشد والعصيان أشد، ويكون القبح أوضح ممّا إذا ارتكب الطرف الأوّل بخصوصه، كلٌ منهما فيه عصيان، وكلٌ منهما فيه مخالفة وتمرّد وقبح، لكن ارتكابهما معاً أشد؛ لأنّ جواز الطرف الآخر ــــــــــــ بحسب الفرض ـــــــــــ مقيّد بعدم ارتكاب الطرف الأوّل، فإذا ارتكب الطرف الأوّل، فكأنّه لا يوجد جواز في الطرف الآخر. أو يقال بأنّ الدليل الدال على جواز ارتكاب الطرف الآخر مطلق، أي يجوز ارتكاب الطرف الآخر مطلقاً، سواء ارتكبت الطرف الأوّل، أو لم ترتكبه.