الأستاذ الشيخ هادي آل راضي

بحث الأصول

35/04/04

بسم الله الرحمن الرحیم

الموضوع: الأصول العمليّة/ أصالة التخيير
الوجه السابع: هو أيضاً ما ذكره السيد الشهيد(قدّس سرّه)[1]، وذكر بأنّه وجه إثباتي، يعني نمنع من شمول أدلّة البراءة لمحل الكلام بنكتة إثباتية غير النكتة المتقدّمة في الوجه السادس الذي تقدّم ذكره، وحاصل ما ذكره في هذا الوجه هو: أنّ أدلّة البراءة إمّا أن يكون لسانها لسان الحل كما في أدلّة الحل، وإمّا أنْ يكون لسانها لسان الرفع كما في حديث الرفع.
أمّا أدلّة الحل، فهي لا تشمل محل الكلام بسبب القطع بعدم الحلّية؛ لأننّا في محل الكلام نقطع بعدم الحل، فكيف يجري دليل أصالة الحل لإثبات الحل، والمفروض أننا نقطع بعدمه ؟ فهذا النوع من أدلّة البراءة لا يجري في محل الكلام.
وأمّا حديث الرفع، فهو لا يجري في محل الكلام، باعتبار أنّ الموصول في قوله(ما لا يعلمون) فيه احتمالان:
الاحتمال الأوّل: أن يكون المراد به هو عنوان الوجوب وعنوان الحرمة، (ما لا يعلمون) الذي يتوجّه إليه الرفع هو عنوان الوجوب، فإذا كنت لا تعلم بعنوان الوجوب، فهو مرفوع، أو كنت لا تعلم بعنوان الحرمة، فهو مرفوع أيضاً. بناءً على هذا يكون الحديث شاملاً لمحل الكلام، باعتبار أنّ كلاً من الوجوب والتحريم ممّا لا يُعلم، فيكون كلٌ منهما مرفوعاً بحديث الرفع، فيُرفع هذا العنوان ظاهراً ويُرفع هذا العنوان ظاهراً، لما تقدّم من أنّه لا مشكلة في رفع الوجوب المحتمل والتحريم المحتمل.
الاحتمال الثاني: أنْ يكون المراد بالموصول ليس هو عنوان الوجوب وعنوان التحريم، وإنّما كان المراد به هو واقع هذا الحكم المشكوك وليس عنوانه؛ فحينئذٍ الحكم الثابت في المقام بلا إشكال هو واحد غير متعددّ، واقع الحكم واحد وليس هو وجوب وحرمة، وإنّما هو إمّا وجوب وإمّا حرمة؛ وحينئذٍ ينبغي أن لا يكون في المقام إلاّ رفع واحد يتوجّه إلى ما يُراد من أسم الموصول، والمفروض أنّ ما يُراد باسم الموصول هو واقع الحكم، وواقع الحكم هو شيء واحد غير متعدد، فالرفع أيضاً يكون واحداً لا تعددّ فيه، ويتوجّه هذا الرفع إلى واقع الحكم، فإذن: بناءً على ذلك لا يوجد عندنا إلّا رفع واحد، بينما على التفسير الأوّل لأسم الموصول يكون عندنا رفعان، رفع للوجوب ورفع للتحريم؛ حينئذٍ يقال: بناءً على ما تقدّم من أنّ الرفع الظاهري هو في قبال الوضع الظاهري، فالحديث بناءً على هذا التفسير الثاني لا يدل إلاّ على الرفع حيث يمكن الوضع، بناءً على التقابل بينهما، واقع الحكم لا يمكن فيه الوضع في المقام؛ لأنّ واقع الحكم إنّما يوضع بإيجاب الاحتياط من ناحيته، وهذا غير ممكن، بحسب الفرض أنّ الموافقة القطعية للتكليف المشكوك غير ممكنة، لا يتمكن المكلّف من الموافقة القطعية؛ بل وضع واقع الحكم ظاهرياً لغرض إيجاب الموافقة الاحتمالية أيضاً لا معنى له؛ لأنّ الموافقة الاحتمالية أمر ضروري وثابت ولا يحتاج ثبوته إلى الوضع الظاهري للحكم الواقعي المجهول؛ لأننا في محل الكلام فرغنا عن أنّ الموافقة القطعية غير ممكنة، كما أنّ المخالفة القطعية غير ممكنة، والموافقة الاحتمالية أمر قهري، كما أنّ المخالفة الاحتمالية أمر قهري، فوضع هذا الحكم الواحد غير المتعدد غير ممكن، فيكون رفعه أيضاً غير ممكن بمقتضى المقابلة بين الوضع والرفع؛ لأنّ الرفع هو رفع ما يمكن وضعه، وإذا كان المراد من أسم الموصول هو واقع الحكم، فهذا لا يشمل محل الكلام؛ لأنّ هذا الرفع لواقع الحكم إنّما يصحّ ويُستفاد من أدلّة حديث الرفع حيث يمكن الوضع، نفس هذا المرفوع إذا أمكن وضعه يمكن رفعه، وفي محل الكلام يوجد عندنا واقع الحكم، وواقع الحكم هذا لا يمكن وضعه في محل الكلام، فلا يمكن رفعه. نعم، في الشبهات الوجوبية واقع الحكم يمكن وضعه بإيجاب الاحتياط، في الشبهات التحريمية واقع الحكم الذي يشكّ فيه المكلّف يمكن وضعه بإيجاب الاحتياط، فيمكن رفعه؛ لأنّ إيجاب الاحتياط في تلك الشبهات أمر ممكن، لقدرة المكلّف على الموافقة القطعية، فضلاً عن الموافقة الاحتمالية، فوضع وجوب الاحتياط يعني وضع التكليف المشكوك ظاهرياً ممكن، فرفعه أيضاً يكون ممكناً، فيشمله حديث الرفع، أمّا حيث يكون الوضع غير ممكن كما في محل الكلام، لاستحالة الموافقة القطعية، وكون الموافقة الاحتمالية أمر قهري؛ فحينئذٍ لا يكون الرفع ممكناً؛ وحينئذٍ لا يكون حديث الرفع شاملاً لذلك بناءً على أنّ المراد من أسم الموصول هو واقع الحكم، نعم إذا فسّرنا اسم الموصول بأنّه عبارة عن عنوان الوجوب والتحريم الذي يدور بينهما واقع الحكم، هنا لا مانع من جريان أدلّة البراءة؛ لأنّه يوجد عندنا حينئذٍ رفعان لا رفع واحد، رفع لهذا، وهذا لا مانع من شمول حديث الرفع له؛ لأنّ الوضع فيه ممكن كما قلنا سابقاً، في هذا الطرف وضع وجوب الاحتياط ممكن، فرفعه أيضاً يكون ممكناً، في هذا الطرف أيضاً الوضع فيه ممكن، فالرفع فيه أيضاً يكون ممكناً، فيشمله حديث الرفع، لكن بناءً على تفسير الاسم الموصول بأنّه عبارة عن واقع الحكم لا عنوان الوجوب والتحريم، واقع الحكم واحد وليس متعددّاً، الرفع أيضاً يكون واحداً غير متعدد ويتوجّه إلى واقع الحكم، لكن حيث أنّ واقع الحكم لا يمكن وضعه ظاهرياً بإيجاب الاحتياط؛ فحينئذٍ رفعه أيضاً لا يكون ممكناً، فلا يكون الحديث شاملاً له، ويستظهر الاحتمال الثاني في تفسير أسم الموصول، يقول: أنّ الظاهر أنّ أسم الموصول في الحديث لا يُراد به عنوان الوجوب والتحريم، وإنّما المراد به هو واقع الحكم، باعتبار أنّه ليس المقصود من العلم في حديث الرفع في(ما لا يعلمون) ليس المراد من العلم هو مطلق القطع، حتّى الجهل المركب، وإنّما المراد من العلم في المقام هو لحاظ جهة الانكشاف الصحيح المطابق للواقع؛ بل أكثر من هذا، يقول: أنّ الظاهر، بقطع النظر عن ذلك، الظاهر من أسم الموصول أنّ هناك حكماً ثابتاً في الواقع قد يعلمه المكلّف وقد لا يعلمه، هذا الحكم الثابت في الواقع إذا علمه المكلّف يتنجّز عليه ولا براءة، وإذا جهله المكلّف حينئذٍ تُجعل له البراءة، ويُجعل له الرفع الظاهري، فالرفع الظاهري يتعلّق بالتكليف الثابت واقعاً، والمكلّف إذا جهل التكليف الثابت واقعاً يُرفع عنه ظاهرياً، لا أنّ الرفع يتوجّه إلى التكليف المشكوك سواء كان ثابتاً في الواقع، أو لم يكن ثابتاً في الواقع، الظاهر من الحديث(رُفع ما لا يعلمون) المقصود بما لا يعلمون هو التكليف، ظاهر الحديث أنّ هناك تكليفاً ثابتاً في الواقع تارةً يتعلّق به العلم وتارةً يتعلّق به الجهل، فإن علم به المكلّف تنجّز عليه، وإن كان لا يعلم بهذا التكليف الثابت واقعاً، فيُجعل له البراءة ويُجعل له الرفع.
إذن: الكلام عن واقع الحكم وواقع التكليف، هذا هو الذي يُراد باسم الموصول لا مطلق ما يشك به المكلّف سواء كان ثابتاً، أو ليس ثابتاً، التكليف الواقعي إن شك به المكلّف يُرفع عنه ظاهرياً، هذا مفاد الحديث، وعليه، يكون هناك رفع واحد لا رفعان، وهذا يعني أنّ حديث الرفع لا يشمل محل الكلام؛ لأنّه لا يوجد فيه إلاّ رفع واحد، وهذا الرفع الواحد غير ممكن في محل الكلام؛ لأنّه يقابل الوضع، والوضع غير ممكن في محل الكلام بالنسبة إلى التكليف الثابت واقعاً؛ لأنّ التكليف الثابت واقعاً، أو واقع الحكم لا يمكن إيجاب الاحتياط بلحاظه؛ لأنّ المكلّف غير قادر على الموافقة القطعية، كما أنّ جعل إيجاب الاحتياط بلحاظ الموافقة الاحتمالية أيضاً غير ممكن؛ لأنّها قهرية وضرورية ولا معنى لجعل الاحتياط بلحاظها.
هذا المطلب قد يُصاغ بعبارة أخرى، وهو أن يقال: أنّ الرفع في الحديث له احتمالان:
الاحتمال الأوّل: أن يكون رفعاً لكل تكليفٍ مشكوك، سواء كان ثابتاً في الواقع، أو لم يكن ثابتاً في الواقع، ويقابله الوضع كذلك، يعني وضع تكليف بجعل وجوب الاحتياط مطلقاً سواء كان ثابتاً في الواقع، أو لم يكن ثابتاً في الواقع.
الاحتمال الثاني: أن يكون المقصود هو رفع للتكليف المشكوك، لكن من خصوص التكاليف الثابتة في الواقع، التكليف الثابت في الواقع عند الشك به يكون مرفوعاً، فيختص الرفع بخصوص التكاليف الواقعية الثابتة واقعاً عندما يحصل حالة الشكّ بها للمكلّف. على هذا الاحتمال الثاني لا نحتاج إلاّ إلى رفع واحد، باعتبار أنّه في الواقع لا يوجد إلاّ حكم واحد، فلا نحتاج إلاّ إلى رفع واحد.
وحينئذٍ، على الاحتمال الأوّل يأتي الكلام السابق من أنّه لا مشكلة في جريان البراءة في محل الكلام؛ لأنّ المراد بالرفع هو رفع كل تكليف مشكوك سواء كان ثابتاً في الواقع، أو لم يكن ثابتاً في الواقع؛ حينئذٍ بناءً على هذا، في المقام الوضع ممكن، فيكون الرفع أيضاً ممكناً؛ لأنّه كما تقدّم أنّ المولى يمكنه أن يضع الاحتياط بلحاظ الوجوب، فيكون رفع الاحتياط بلحاظه ممكناً، ويمكنه أنْ يضع وجوب الاحتياط بلحاظ التحريم، فيكون الرفع بلحاظه أيضاً ممكناً، فيأتي الكلام السابق من عدم وجود المانع من جريان البراءة في المقام، لكن على الاحتمال الثاني إذا فرضنا أنّ الرفع يعني رفع التكليف المشكوك الثابت في الواقع إذا شك به المكلف الرفع الظاهري يكون شاملاً له، هذا هو الذي تقدّم بأنّ هذا الرفع يكون محالاً؛ لأنّ الوضع محال، وبما أنّ الوضع غير ممكن، فالرفع أيضاً يكون غير ممكن بمقتضى المقابلة بين الوضع وبين الرفع، وحيث أنّ الوضع الظاهري بجعل الاحتياط بلحاظ التكليف الثابت واقعاً غير ممكن، فالرفع أيضاً يكون غير ممكن، فلا يكون حديث الرفع شاملاً له، والظاهر هو الاحتمال الثاني لا الأوّل، بنفس البيان الذي تقدّم سابقاً، باعتبار أنّ المراد بالعلم ليس هو مطلق الانكشاف ولو كان جهلاً مركّباً، وإنّما المراد به هو الانكشاف الصحيح المطابق للواقع بحيث تصح نسبة العلم إليه ونسبة الجهل إليه، التكليف الواقعي إنْ علم به المكلّف لا يكون هناك براءة، وإن جهل به المكلّف تكون هناك براءة، فالرفع يتوجّه للتكليف الثابت واقعاً عندما يشكّ به المكلّف، هذا هو الذي يُرفع ظاهريا، فليس هناك إلاّ رفع واحد بلحاظ التكليف الثابت في الواقع عند الجهل به، رفع واحد ويقابله وضع واحد، والوضع الواحد في محل الكلام غير ممكن، فالرفع الواحد أيضاً يكون غير ممكن، وهذا معناه أنّ حديث الرفع لا يشمل محل الكلام.
إذن: هناك قصور في مقام الإثبات، هناك نكتة إثباتية تمنع من جريان البراءة في محل الكلام.
حينئذٍ، قد يقال: بناءً على هذا الكلام، هذا ينتج أنّ موضوع الرفع في حديث الرفع هو عبارة عن التكليف الثابت واقعاً، هذا هو موضوع حديث الرفع، يعني أنّ التكليف الثابت واقعاً عند الجهل، أو الشك به يُرفع ظاهراً، بناءً على هذا كيف نجري البراءة في موارد الشك في التكليف ؟ في موارد الشكّ في التكليف في الشبهة الوجوبية، والشبهة التحريمية كيف نجري البراءة، والحال أنّ المكلّف لا يحرز ثبوت التكليف المشكوك واقعاً، هذا إشكال، في  الشبهات الوجوبية والشبهات التحريمية المكلّف أساساً يشك في ثبوت التكليف واقعاً، أو عدم ثبوته واقعاً، فإذا قلنا أنّ موضوع الرفع هو عبارة عن التكليف الثابت واقعاً عندما يشكّ به المكلّف، فهذا معناه أنّ البراءة لا تجري في موارد الشك في التكليف، لعدم إحراز الثبوت الواقعي للتكليف المشكوك، فكيف تجري البراءة ؟ البراءة بناءً على هذا الكلام ترفع التكليف الثابت في الواقع عندما يشك به المكلّف رفعاً ظاهرياً، هذا مفادها، لكي يجري حديث الرفع، ولكي تجري البراءة لابدّ من إحراز موضوع هذا الرفع، وموضوع هذا الرفع هو التكليف الثابت واقعاً لا يمكن للمكلّف أن يحرز ذلك، وهذا معناه أنّ البراءة لا تجري في موارد الشكّ في التكليف، ولو فُرض أنّه احرزه؛ حينئذٍ أحرزه، يرتفع الشكّ ولا معنى حينئذٍ لجعل البراءة، إذا أحرز التكليف الثابت واقعاً؛ حينئذٍ لا معنى للشك، افتراض الشك يعني افتراض عدم إحراز ثبوت التكليف واقعاً، ومعه ينبغي أنْ نلتزم بعدم جريان حديث الرفع فيما لاشك في جريانه فيه، يعني في الشبهات الوجوبية وفي الشبهات التحريمية.
يجيب(قدّس سرّه) عن هذا الإشكال بعد أنْ يوجّهه لنفسه، يقول:[2] نتمسّك بحديث الرفع لإثبات الرفع الظاهري في موارد الشكّ على تقدير ثبوت ذلك المشكوك واقعاً، ومنه يُعلم بجامع الرفع الواقعي على تقدير عدم ثبوت التكليف واقعاً والظاهري على تقدير ثبوت التكليف واقعاً، وهذا المقدار يكفي للتأمين، هذا التكليف الذي يشكّ به على كلا التقديرين هو آمن من ناحيته؛ لأنّ هذا التكليف الذي يشكّ به إنْ لم يكن ثابتاً واقعاً، فبها ونعمت، فهو ليس له ثبوت في الواقع، وإن كان ثابتاً في الواقع حديث الرفع يرفعه ظاهرياً، وهذا المقدار يكفي لإثبات التأمين.
النتيجة هي: أنّ حديث الرفع لا يجري في موردٍ إلاّ عندما نحرز الثبوت الواقعي للتكليف، وفي موارد الشكّ بذلك لابدّ من إجراء البراءة وحديث الرفع وإثبات الرفع الظاهري على تقدير الثبوت الواقعي، وهذا لا ضرر فيه؛ لأنّه يثبت لنا التأمين أيضاً، فيثبت التأمين في جميع الموارد، لكنّ هذا قاصر عن الشمول لمحل الكلام؛ لأنّه في محل الكلام التكليف الثابت واقعاً الذي يشك به المكلّف هو حكم واحد وتكليف واحد، إمّا الوجوب، وإمّا التحريم، هذا وضعه ظاهرياً غير ممكن، فرفعه أيضاً لا يكون ممكناً، والحديث يتضمّن رفعاً واحداً للتكليف الثابت في الواقع عندما يشكّ به المكلّف، هذا الحكم الثابت واقعاً في محل الكلام هو أمر واحد لا أزيد، وله رفع واحد، وهذا الرفع الواحد إنّما يمكن بلحاظه حيث يمكن الوضع، فإذا لم يمكن الوضع كما هو المفروض لا يمكن الرفع، فلا يجري فيه الحديث. هذا حاصل هذا الوجه الأخير وهو الوجه السابع.   
قد يُعترض على هذا الوجه؛ بل اعترض عليه: بأنّ هذا التفسير لحديث الرفع لا يتناسب مع ما تقدّم من أنّ الرفع في حديث الرفع ظاهري لا واقعي.
لكنّ هذا الاعتراض ليس واضحاً ما هو المقصود به، لماذا لا يتناسب ؟ التفسير يقول بأنّ مفاد حديث الرفع هو أنّ التكليف له ثبوت في الواقع عندما يشك به المكلّف، هذا يرفع عنه رفعاً ظاهرياً، التكاليف الثابتة في الواقع، إذا شك بها المكلّف ترفع عنه رفعاً ظاهرياً، لماذا لا يمكن الرفع الظاهري ؟ هذا التكليف الثابت في الواقع إذا شكّ به المكلّف يُرفع عنه بأن لا يجب عليك الاحتياط تجاه التكليف الثابت في الواقع في حالة الجهل والشك به، هذا ممكن ولا محذور فيه، فلماذا لا يتناسب ؟ يتناسب مع كلا التفسيرين، سواء قلنا أنّ المرفوع هو مطلق ما يشك به سواء كان ثابتاً في الواقع أو لا، الذي يستلزم وجود رفعين كما تقدّم، أو كان هو عبارة عن التكليف الواقعي الثابت في الواقع الذي يشك فيه، كل منهما يمكن رفعه رفعاً ظاهرياً بنفي وجوب الاحتياط. لعلّ مقصود هذا المستشكل هو الجواب الأخير الذي ذكره على الإشكال، وهو أنّه ذكر أنّه في موارد الشك نتمسّك بحديث الرفع لإثبات رفع التكليف المشكوك على تقدير ثبوته واقعاً، ثمّ أضاف إلى هذا (ومن ذلك يُعلم بالجامع بين الرفع الواقعي والرفع الظاهري) الرفع الواقعي على تقدير عدم ثبوت التكليف واقعاً، والرفع الظاهري على تقدير ثبوت التكليف واقعاً، ثم قال: وهذا يكفي للتأمين. لعلّ الإشكال على هذا، كأنّه قد يُفهم من هذه العبارة بأنّ الرفع الواقعي والرفع الظاهري يستفادان من حديث الرفع، ومن هنا لا يكون هذا مناسباً لما تقدّم من أنّ الرفع في حديث الرفع ظاهري لا واقعي، إذا كان الرفع في حديث الرفع ظاهرياً لا واقعياً على ما تقدّم فكيف نستفيد الرفع الواقعي من حديث الرفع في محل الكلام ؟
لكن الظاهر أنّ هذا أيضاً لا يرد؛ لأنّه لا يقصد بذلك أننا نستفيد الرفع الواقعي من حديث الرفع، وإنّما يريد أن يقول بأنّه في موارد الشكّ بناءً على هذا التفسير يكون الرفع الظاهري على تقدير الثبوت، وهذا المقدار يكفينا للتأمين؛ لأنّ التكليف إنْ لم يكن له ثبوت في الواقع، فهو، ولا يريد أن يقول أنّ الرفع الواقعي للتكليف يُستفاد من حديث الرفع حتّى نقول أنّ هذا لا يناسب ما تقدّم، وإنّما يريد أن يقول بأنّ التكليف إن لم يكن له ثبوت في الواقع، فهو، وإن كان له ثبوت في الواقع، فهو مرفوع ظاهرا، وهذا يكفي للتأمين؛ لأنّ التكليف لا يخلو من أحدى حالتين، إمّا أن لا يكون له ثبوت، أو يكون مرفوعاً رفعاً ظاهرياً، وهذا يكفي لإثبات التأمين. نعم هناك ملاحظة واحدة تلاحظ على هذا البيان يأتي بيانها إن شاء الله تعالى.    


[1] بحوث في علم الأصول، تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للسيد محمود الشاهرودي، ج 5، ص 157.
[2] بحوث في علم الأصول، تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للسيد محمود الشاهرودي، ج 5، ص 158.